فهرس الكتاب

الصفحة 18936 من 28557

بقيت العنايةُ بالمنهج قليلةً، مع أنه بإمكانِ النَّظرةِ الشُّموليةِ لهذه الجهودِ العلميةِ الضَّخمةِ الآنفةِ الذِّكرِ أنْ تستخلصَ البِنيةَ الهيكليةَ العامةَ للمنهجِ النَّبويِّ في نواحيهِ المختلفةِ 40. نعم .. إنَّ استخلاصَ المنهجِ مطلبٌ ضروريٌّ، بيدَ أنه ليس بالأمرِ اليسيرِ، خِلافًا لما قد يتوهمُّهُ بعضُهم حين ظنُّوا أنَّ (المنهج النبويِّ) على طرف الثُّمام، وأنَّ نظرةً عجلى على السِّيرة العطرة، أو جزءٍ من السنة المطهرة، أو انتقاء مقاطع مِن هنا أو هناك كافيةٌ للإحاطةِ بهذا المنهجِ الفذِّ، وبناء حتمياتٍ تاريخيةٍ على تلك الأفهامِ العجلةِ. وتصوُّر بعضٍ أن بالإمكان إعادة إنتاج العهدين المكي والمدني، أو تمثيلهما في أي واقع يُعَدُّ مجازفة كبيرة

إنَّ المنهجَ حين يُطلقُ في إطارٍ معرفيٍّ إنَّما يُرادُ به قانونٌ ناظمٌ ضابطٌ يُقنن الفكرَ ويضبطُ المعرفةَ التي إنْ لم يضبطْها المنهجُ فقد تتحولُ إلى مُجرَّدِ خطراتٍ انتقائيةٍ مهما كانتْ أهميتُها لا يمكنُ تحويلُها إلى ضوابطَ فكريةٍ وقوانينَ معرفيةٍ تنتجُ الأفكارَ وتُولِّدُ المعارفَ وتضبطُ حركاتها وتُميِّزُ بينها؛ فبالمنهجِ يُمكن أنْ نحُدد طبيعةَ المعرفةِ وقيمتها وحقلَ عملِها واتجاهِها وكيفيةِ البناءِ عليها والتوليدِ منها ...

إنَّ أيَّ فكرٍ تتضاربُ مقولاتُهُ وتتناقضُ لا يُعتبرُ فِكْرًا منهجيًا حتَّى لو تمكَّنَ أصحابُهُ من تقديمِ مختلفِ التأويلاتِ التوفيقيةِ: كالتَّأويلِ، والمقاربةِ، والتلفيقِ، وغيرِها. ولذلكَ فإنَّ إطلاقَ مُصطلحِ: (منهج النَّبيّ- صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-) و (المنهج الإسلامي) على ما يصلُ الباحثون إليهِ باجتهادٍ شخصيٍّ أو فرديٍّ لابُدَّ أنْ يُحتاطَ فيه، كأنْ يُقالَ: على ما نَرَاهُ، أو على ما توصَّلنا إليه ... إلخ) 41.

مطلوبٌ اليوم أكثرُ مِن أيِّ وقتٍ مَضَى قراءةُ السِّيرة ودراستُها دراسةً استراتيجيةً في مختلفِ الحالاتِ الاجتماعيةِ والتربويةِ والعلميةِ والإداريةِ والسِّياسيةِ والاقتصاديةِ والحركيةِ والأمنيةِ والثقافيةِ .. ففي السِّيرة بيانٌ لجميعِ الحالاتِ أو أصولِها؛ خِلافًا لصنيعِ بعضِ كُتَّابِ السِّيرة حين يُصورون حياةَ النَّبيّ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ على أنها صراع وحروب وغزوات وسرايا، ويغفلون عن الجوانب الأخرى42.

لكن المطلوب: دقة تحليل الواقع المعاش من خلال مُتخصصين، لا مُتحمِّسين فقط، ثم دراسة السِّيرة وتحليلها، ثم تحديد مواقع الاقتداء من مسيرة السِّيرة، أو اكتشاف المرحلة من السِّيرة التي تمثل حالة الاقتداء وكيفيته من خلال ظروف الحال نفسه 43.

ثالث عشر: تحديد هدف الدراسة وهو الاقتداء والتأسِّي:

من العبثِ اعتبارُ سيرةِ النَّبيّ- صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-، لمجرَّدِ التَّسليةِ وإبراز عظمةِ الرِّجال؛ بل إنَّ سيرتَهُ هدايةٌ للنَّاسِ، وترجمةٌ عمليةٌ لدِّين الله -عَزَّ و جَلَّ- وتصور للإسلامِ يتجسدُ في حياةِ صاحبِ الرِّسالةِ، تطبيقًا للمبادئِ والقواعدِ والأحكامِ النظريةِ 44. ولذا قالَ الزُّهريُّ: (في عِلْمِ المغازي عِلْمُ الآخرةِ والأُولى) 45. و لمَّا وعى الصَّحابة وسلفُ الأمةِ هذا الغرضَ اكتسبتِ السِّيرة في حياتِهم مكانةً عِلْميةً تليقُ بها وبهم. قال عليُّ بنُ الحُسين: (كنَّا نتعلَّمُ مغازيَ رسولِ اللهِ- صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- كَمَا نتعلَّمُ السُّورةَ مِن القُرآنِ) 46؛ لأنه لا غِنى لمن يُريدُ الاقتداءَ به عن معرفةِ سيرتِهِ. والاقتداءُ أساسُ الاهتداءِ? لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا?الأحزاب: 2147.

ولكن كيف نتعاملُ مع السِّيرة في هذه المرحلةِ الُمتغيِّرةِ، وكيف يكونُ الاقتداءُ؟ الواقعُ يتغيَّرُ، ووسائلنا في العمل والاقتداء وقراءة القيم لا تتغير، والسِّيرة اتخذتْ لكلِّ حالةٍ ما يُناسبها، كما قالَ النَّبيّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- لعمَّارِ بنِ ياسرٍ حينَ أكرهه المشركون على سبِّ النَّبيّ- صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ- وذكر آلهتِهم بخيرٍ: (إنْ عادُوا فَعُدْ) 48

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت