فهرس الكتاب

الصفحة 15668 من 28557

الخرائط العقلية الجديدة تبدأ بالارتسام على ما يرى عصفور مع إشاعة ثقافة الاستنارة التي تواجه التعصب والتطرف والنزعات الأصولية، والتي تؤازر المجتمع المدني، وتبرر حضور الدولة المدنية في ملامحها الحديثة القائمة على الفصل بين السلطات، واحترام حقوق المواطنة وحق الاختلاف، وإطلاق سراح الحريات في مجالاتها كلها، وتداول السلطة بين الأحزاب المدنية، والإيمان بالتقدم بصفته اللازمة المنطقية للاعتماد على التفكير العلمي والعقلانية التي تفتح أفق التجريب الخلاّق في كل مجال.

وتكتمل خطوط الخرائط العقلية الجديدة في تأسيس مجتمع المعرفة الذي يتطلب أول ما يتطلب تطور أبنية التعليم جذريًا، والقضاء على الخرافات بما يؤصّل للتفكير العلمي بصفته أصل الحركة وتنوير علاقات إنتاج المعرفة وأدواتها. وإطلاق حرية تبادل المعلومات، وإتاحتها لطالبيها، مسألة لا تنفصل عن إشاعة الحرية. والحرية التي يتحدث عنها الكاتب المصري ليست منحة من الحاكم أو تنازلًا منه، وإنما هي الحق الطبيعي للأفراد والجماعات، والشرط الأول لإنشاء مجتمع سليم ودولة متقدمة. ولذلك فهي الحرية التي يتنفسها الجميع بلا تفرقة أو تمييز على أساس من الجنس أو اللون أو الثروة أو الطائفة الدينية أو الاجتماعية، وهي أخيرًا الحرية التي يتدعم بها المجتمع المدني، وتقوى بممارستها الدولة المدنية القادرة على تحقيق أحلام شعبها.

حين ننظر الى الدلالات الواعدة التي يطلقها جابر عصفور حول قيام مجتمع سليم ودولة مدنية متقدمة، يأخذنا التفاؤل بعيدًا في تصور سعادة الشعوب العربية في الآجال المقبلة، ولكن لا نلبث أن نتذكر إخفاقات المشروع الماركسي، وإحباطات المشروع القومي وادعاءات المشروع الإسلامي الذي يحاول أن يستبدل الدولة المدنية بالدولة الدينية، معتمدًا في بنائه الأيديولوجي على نوع خاص من الأدبيات المغلقة التي تنبني على عناصر التعصب والاتباع، وتتمظهر بعمليات الإرهاب التي تتمسّح بالدين.

ولكن لا نحن مأخوذون بالوعود، ولا جابر عصفور كذلك فهو إضافة الى تمنطقه بسلاح فلاسفة الأنوار نراه يستعين في خوض معركته من أجل تحرير الفكر العربي من قيود الظلامية والإرهاب الديني القروسطوي بسلاح روّاد النهضة أيضًا، فنراه يتحدث دائمًا عن مشايخ الإصلاح مستفيدًا من تجاربهم في الارتقاء بالمجتمع من مستوى الضرورة الى مستوى الحرية.

يعتبر جابر عصفور أن الشيخ الشاب رفاعة الطهطاوي أقبل أثناء إقامته في فرنسا بحماسة نادرة على تعرّف أسرار هذه الدنيا المتقدمة التي ذهب إليها، تعرّف كل شيء لم يعرفه عملًا بالمبدأ القائل «الحكمة ضالة المؤمن» و «اطلبوا العلم ولو في الصين» وقد اعتمد في ما رآه ولمسه مبدأ التقبيح والتحسين العقليين اللذين ورثهما عن المعتزلة، فأخذ ما قبله عقل المسلم المنفتح، وبخاصة حين رأى وفهم معنى أن تكون الأمة مصدر السلطات، والفصل بين السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية. والتمييز الحاسم بين الديني والدنيوي، ليس إلغاء للديني أو تقليلًا من شأنه، وإنما تأكيد للدنيوي الذي أصبح عقدًا اجتماعيًا قائمًا على التراضي الذي يؤسس للدستور والقوانين التي تتجسد بها مبادئ الحرية والمساواة والعدالة. ويترجم رفاعة على ما يذكر جابر عصفور الدستور الفرنسي لعام 1830 بوصفه مثالًا لأمور «لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل» وكان هدفه من الترجمة «أن يوقظ من الغفلة سائر أمم الإسلام من عرب وعجم» .

ويواصل جمال الدين الأفغاني سيره في الطريق الذي سار عليه رفاعة الطهطاوي، وذلك بإعادة تأكيد الوصل بين الحكمة والشريعة، تطويرًا لفهم الشريعة، وتحريرًا للعقل من قيد النقل والتقليد، على نحو ما فعل الفيلسوف ابن رشد، جاعلًا من ذلك مدخلًا للبحث عن مخرج لمأزق التخلّف المريع الذي رأى عليه أمم الإسلام. وكان ابتداء ذلك إيمانه بقدرة العقل الإنساني على مجاوزة شروط الضرورة. وكانت النتيجة العودة الى الوصل الذي قام به ابن رشد بين الحكمة والشريعة الذي ساعد الأفغاني على الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية لكون «الأمة مصدر السلطات» .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت