فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
بدأ الكواكبي في رأي عصفور من حيث انتهى جمال الدين الأفغاني فيما يتصل بضرورة التمييز بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية والفصل بينهما، فقد أشار في كتابه «طبائع الاستبداد» الى أن أكثر الكتّاب السياسيين من الإفرنج يرون أن الاستبداد السياسي متولّد من الاستبداد الديني بينما يذهب البعض القليل منهم الى القول إنه إذا لم يكن هناك علاقة تولّد، تَرُدّ الأول (السياسي) الى الثاني (الديني) فهما أخوان متشابهان. ولذلك فإنه ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ لنفسه صفة قدسية، تخايل بأنه على علاقة خاصة مع الله، أو يتخذ بطانة من أهل الدين المستبدين الذين يعينونه على ظلم الناس باسم الله.
أما المصلحان الآخران اللذان يستعين بهما الكاتب المصري في الانتقال من مستوى الضرورة الى مستوى الحرية فهما محمد عبده وعلي عبدالرازق. محمد عبده الذي يرى أن الإسلام من حيث هو دين لا يتناقض والدولة المدنية، ما ظلّت هذه الدولة حافظة للأديان، مبقية على مكانتها في النفوس، مستلهمة دساتيرها وقوانينها من روح الشرائع الداعية الى العدل والإخاء وسعادة البشر. وعلي عبدالرازق الذي يخلص من استعراضه التاريخ الإسلامي الى أن نظام الحكم غرض من الأغراض الدنيوية ترك الله فيه للناس حريتهم في تحديدها على ما تهديهم إليه عقولهم وعلومهم ومصالحهم ومطالب زمانهم.
يمكن لأي قارئ باحث، مطلع على كتابات جابر عصفور وبخاصة كتابه «نحو ثقافة مغايرة» أن يقرأ فيه المثقف الملتزم بالبحث عن الحقيقة، من خلال تفكيك العقل اللاهوتي والسياسي، ويرى فيه الشيخ المصلح الذي يحاول أن ينظّف الدين من الشوائب التي تراكمت عليه بفعل السنين من أجل بناء عالم جديد مفعم بالثقة ومتوجهًا نحو المستقبل بعد قرون من الظلام والظلامية، وبعد سنوات من تصاعد الأصولية الإسلامية وانفلاشها. ويقرأ فيه الناقد العقلاني المتنوّر الذي يخوض معركة الصراحة مع الذات التراثية التي طُمِرَت بكل ألوان الاتباع والتعصب والتخلف، ويقرأ فيه أخيرًا وجهًا من وجوه فولتير منارة التنوير الأوروبي الذي كتب يومًا الى إحدى صديقاته قائلًا: «التنوير ينتشر شيئًا فشيئًا يا سيدتي، وينبغي أن نترك العميان العجائز يموتون في ظلامهم» .
ـ [ابن الشاطيء الحقيقي] ــــــــ [02 - Mar-2009, مساء 10:15] ـ
الكتاب -جريدة الاهرام المصرية
44646 السنة 133 - العدد 2009 مارس 2 5 من ربيع الاول 1430 هـ الأثنين
فقدنا الطيب صالح
بقلم: جابر عصفور
الطيب صالح علم من أعلام الرواية العربية , يقف إبداعه في صدارة الصف الأول من كتاب الرواية , أمثال نجيب محفوظ ويوسف إدريس وفتحي غانم وحنا مينا وعبد الرحمن منيف ويشبه الطيب صالح نجيب محفوظ الذي تعلم منه بالقطع , خصوصا في مدي الغوص في قرارة القرار من الواقع المحلي , وذلك لملامسة الجذر الإنساني لهذا الواقع والإمساك به وكما جعل نجيب محفوظ من الحارة المصرية فضاء الإبداع الذي استقطر فيه تجاربه الإبداعية التي تعطف الإنسان علي الإنسان , في كل زمان ومكان , متخطية حواجز اللغات والثقافات , فعل الطيب صالح الأمر نفسه , فغاص إبداعيا في أعماق القرية السودانية , ووجد في أعماق شخصياتها مجالي للنماذج البشرية التي تجاوز الخاص إلي العام , وتصل من خلال المحلي إلي العالمي ودليل ذلك الأصداء التي حققتها ترجمة روايات الطيب إلي العديد من لغات العالم التي وجد فيها قراؤها مرايا لما ينطوون عليه من مشاعر إنسانية , تتجسد بها التجارب المتباينة للحضور الإنساني في جوهره الذي يسعي إلي الارتقاء بالكائن البشري من قيود الضرورة إلي أفق الحرية ومن المؤكد أن الطيب صالح قرأ الإنجاز الروائي للجيل الذي سبقه ولحق به ,
(يُتْبَعُ)