فهرس الكتاب

الصفحة 8300 من 28557

ولذلك نرى شيخنا الألباني شامة الشام وحسنة هذه الأيام -رحمه اللَّه- مدح الكلمة المشهورة: «أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم؛ تَقُمْ لكم على أرضكم» لمطابقتها لمنهج التغيير القرآني ... ولم يمدحها تأثُّرًا بمنهج قائلها الحزبي (1) .

ورب قائل يقول: إن منهج التصفية والتربية غير واضح؛ فلمثله يقال -مع شيءٍ من الاعتذار!:

عَلَيَّ نحتُ القوافي من معادنها وما عليَّ إذا لم تفهم البقرُ

إن هذا المنهج أوضح من الشمس، ولكن قد تنكر العينُ ضوءَ الشمس من رمد!.

إن هذا المنهج هو منهج رسول اللَّه × الذي بعثه اللَّه به؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويكوّن منهم خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن باللَّه: {هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزيكم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [الجمعة: 2] ؛ إنه العلم والتزكية، ولن ننال العلم إلا بالتصفية، ولن نحقق التزكية إلا بالتربية.

وهو فهم ورثة الأنبياء عدول الأمة الذين يكشف اللَّه بهم الغمة، ويزيل الظُّلمة، ويكسر جَوْرَ الظَّلَمَة؛ كما أخبر ×: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (2) .

وهو المنهج الذي يَحُولُ بين عُدَّة المستقبل وأمل الغد من شباب اليقظة الإسلامية والارتماء في محاضن الأدعياء أو الانتماء لأحزاب جوفاء؛ كما في حديث عبداللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما-، قال رسول اللَّه ×: «إن اللَّه لا ينتزع العلم بعد أن أعطاكموه، ولكن يقبض العلم بموت العلماء؛ حتى إذا لم يَبْقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا؛ فسئلوا؛ فأفتوا بغير علم؛ فضلوا، وأضلوا» (3) .

والدعوة السلفية بذلك لا تتطلع إلى الصِّدام مع الحكام والأنظمة؛ لأنها تضع في اعتبارها إصلاح ذلك كله؛ لأن ذلك جزء من الأمة التي تسعى لإصلاحها وانتشالها من الحمأة الوبيئة التي أركست نفسها فيها؛ لأن الحكم والحاكم ليس غاية عندها؛ بل وسيلة ليعبد اللَّه وحده، ويكون الدين كله للَّه.

وثمت أمر آخر، وهو: أن قطع الرأس وقلب نظام الحكم سيفرز -لزامًا- نظامًا أشد وأطغى، ورأسًا أظلم وأبقى، ومن كان في ريب؛ فليسأل أدعياء «الفقه الواقع» (!!) .

وكذلك؛ فإن النظام الإسلامي لا بدّ له من سند يسنده ويدافع عنه مما يتعرض له من كيد الأعداء وخذلان الأدعياء: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} [الأنفال: 62] ولن يكون المسلمون سندًا للرسل من بعد اللَّه -تعالى- إلا إذا تربوا على منهج رسول اللَّه × وأصحابه -رضي اللَّه عنهم-.

... فهذا الجهاد الأفغاني كان له سند من أهله ... لكن هذه القاعدة اشتغلت بالمواجهة قبل التربية، فلما بلغت سدة الحكم؛ فإذا بها تنقض غزلها من بعد قوة أنكاثًا، وتتنازع فيما بينها، وتفشل، وتذهب ريحها، وتخرِّب ما بنت، وتهدر ما جنت، والمتربصون ينتظرون فرصتهم ...

إذًا؛ لا بدّ من التصفية والتربية على المنهج الصافي الذي تضلَّع منه جيل القدوة الأول، وقرن الأسوة الأمثل، محمد والذين معه.

ومع ذلك كله؛ فإن السلفيين لا ينكرون على العاملين ضرورة التغيير، ولكنهم ينكرون عليهم مناهجهم في التغيير التي لا تسمن ولا تغني من جوع (4) ، بل يركبها المستعجلون والمنتفعون؛ ليقدموا الشباب المسلم قرابين ... ويقيموا العقابيل بسبب استعجالهم ... ومن ثَمَّ تهافتهم على موائد أعدائهم ... وسنة اللَّه خِلْفَة لِمَ أكده العالمون بقولهم: «من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه» .

وينكرون المناهج الترقيعية التي تمكن للظالمين وتجعلهم يستخفون بالمسلمين، ويجعلونهم شيعًا وأحزابًا بأسهم بينهم شديد ... ومن ثم تمييع العقيدة الإسلامية، بل القضية الإسلامية برمَّتها.

وينكرون المناهج الانقلابية الثورية التي يكون وقودها المسلمين، وتتأخر الدعوة بسببها سنوات كثيرات.

هذا الذي ينكره السلفيون ويحذرون منه، حاديهم في ذلك كله قوله -تعالى-: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا باللَّه عليه توكلت وإليه أنيب} [هود: 88] .

هذه هي السياسة التي نكرهها وننكرها ولا نحب أن نذكرها، ونبرأ إلى اللَّه من أغلالها، وأصرها، وشرها؛ فهي قرين النفاق، وبريد الخداع، وسُلَّم الذين يعبدون اللَّه على حرف.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت