فهرس الكتاب

الصفحة 8301 من 28557

أما السياسة بمعناها الإسلامي النقي، وواقعها الإيماني التقي، التي ترعى شؤون الأمة الربانية، والتي تأخذ بيد البشرية إلى مدارج التقدم وميادين الرقي؛ فيتميز السعيد من الشقي: فهذا أمر دونه الأرواح والمهج، وإن حاول الخلوف أن يثيروا علينا الرهج.

إن السياسة الشرعية تعني: الإحاطة بالأحكام السلطانية، ومعرفة حقوق الراعي والرعية، وتقويم الحقائق بالموازين الشرعية، إذن فهي رعاية شؤون الأمة الإسلامية بما لا يخالف الكتاب الكريم والسنة النبوّية.

ولقد كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، أما هذه الأمة؛ فيسوسها العلماء الربانيون الذين هم ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم؛ فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر.

ولقد كان لعلماء الملة أكبر نصيب من ميراث رسول اللَّه ×؛ فسعوا يربون هذه الأمة على منهج النبوة علمًا، وعملًا، وسلوكًا، دافعهم في ذلك قوله -سبحانه-: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79] .

والرباني: هو العالم البصير بسياسة الناس؛ فيربيهم على صغار العلم قبل كباره على منهاج النبوة.

وصغار العلم: هي المسائل والأعمال التي يطيقونها، وليس كما يتوهم أنصاف المتفقهين، وأرباع المثقفين، وأسداس المتعالمين: أنها الأمور التي يحلو لهم تسميتها بالمسائل الفرعية، أو الهامشية، أو السطحية، أو القشور؛ فإن هذا التقسيم بدعة، وقسمة ضيزى؛ كما بينتها في كتابي: «دلائل الصواب إلى إبطال تقسيم الدين إلى قشر ولباب» (5) .

إن أهم الأوليات: مسائل التوحيد والإيمان؛ فالعقيدة أول واجب وآخر واجب لو كانوا يفقهون؛ كما علَّمَنا رسولنا ×: «إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فأول ما تدعوهم إليه أن يعبدوا اللَّه وحده» (6) ؛ وكأن رسول اللَّه × يتأول قوله -تعالى-: {فاعلم أنه لا إله إلا اللّه} [محمد: 19] .

بهذا التصور الإيماني تكون الأمة عاملة في كل الأوقات، حتى إذا لاقوا العدو ثبتوا؛ لأنهم يعلمون أن الجنّة تحت ظلال السيوف.

ولذلك، فإن تكليف الأمة أفرادًا وجماعات ما لا تطيق، ليس بالأمر الحقيق؛ لأنها ليس لها إلى ذلك طريق، وهو جَهْلٌ مُرَكَّبٌ بَلْ مُرَكَّزٌ، واتباع لبنيات الطريق ... وهذا ما يقصده شيخنا محدث العصر وحافظ الوقت أبو عبدالرحمن الألباني -رحمه اللَّه- بقوله: «من السياسة -الآن- ترك السياسة» .

إن هذه النظرة الصائبة هي التي آل إليها أمر كثير من الدعاة الذين اشتغلوا بالسياسة من بواكير الصبا، ولكنهم رأوها بأخرة لا تروي غليلًا، ولا تشفي عليلًا، ولا تهدي ساربها سبيلًا، بل كانت ظهيرًا للمجرمين على الدعاة الإسلاميين تشريدًا وتقتيلًا دون أن تهتز في المسلمين شعرة أو يضطرب منهم قلب!

إن المطلوب الحاليّ: هو إيجاد القاعدة الإيمانية الصلبة التي يُبنى عليها كيان الأمة كلها في سبيل تحقيق العبودية الشاملة الكاملة للَّه رب العالمين، والتي تصطبغ بها كل مناحي حياة الناس ... فهل أعطى الحركيون (الإسلاميون) هذا الاتجاه شيئًا من اهتمامهم؟!

إن تكوين القاعدة الإسلامية لا يعني تجميع أشتات من الأهواء والفرق؛ فإنها لو بلغت الحكم؛ فعندئذ يفجر أعداء الإسلام هذه الألغام الموقوتة؛ فتصبح هذه الأشتات أحزابًا تتصارع على السلطة، وعنئذ سيلقي أعداء الإسلام من خلال أجهزة إعلامهم المرئية والخفية للجماهير المسلمة صورَ التشكيك بهؤلاء؛ قائلين لهم: انظروا ماذا يصنع هؤلاء الذين ملؤوا الدنيا صراخًا على الدولة الإسلامية، وإقامة حكم اللَّه في الأرض ... ! وهكذا يصبح الإسلاميون مَثَلَ السوء لأمتهم، وما يجري على أرض أفغانستان المسلمة ليس عن أولي الألباب بغائب، وما يحدث في الجزائر المسلمة ليس عن المتابع للأحداث ببعيد، وما يجري في بلاد السودان المسلم ليس عن المراقب بمعزل!!.

ولذلك؛ قد يغتر كثير من الدعاة بالحماسات العاطفية للجماهير، ويخدعه كثرة الأصابع المرفوعة، ويغره حشود المهرجانات المجموعة؛ فيقع على أم رأسه، وأمامنا بسطة من التجارب المعاصرة ووفرة من البراهين، تدل على خطورة هذه النظرة السطحية العجلى القاصرة، منها تجربة حسن البنا في مصر؛ فقد فرت جموع الإخوان التي تهتف له في المركز العام في القاهرة عندما وقعت الضربة عام (1948م) !!.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت