فهرس الكتاب

الصفحة 3186 من 28557

وتبلغ المصيبة مداها عندما تصبح [أمية الفكر] هدفًا ومشروعًا لتجهيل أجيال الأمة, وإضعاف عقولهم, وإسفاف آرائهم , وتوهين عزائمهم , إذ بسبب هذا الهدف المشؤوم تتحالف قوى الإفساد , ويتآزر ثالوث الجشع والظلم والاغتصاب, والمتمثل في الاستبداد السياسي الداخلي, والاستعمار الأجنبي الخارجي, ومشاريع الأهواء والشهوات.

فكأني بها قد أقبلت بخيلها ورجلها وأسيادها وأوباشها لتضليل أجيال الأمة وإفساد عقولهم , إما بطريق الإغراء الرخيص مرة , وإما بطريق الإرهاب الفكري مرات, ونتيجة ذلك المشروع شبه شلل تام لعقول وأفكار المجتمع , إما تحت شعار فرض النظام والأمن حتى يتسق القطيع مع ما يطرحه الراعي المستبد , وأما تحت دعوى نشر الحرية ونبذ التقاليد البالية , وما هي إلا العبثية البهيمية!!

فكم يتمنى هذا الثالوث اللئيم أن يرى أجيال الأمة أغمارًا وأغرارًا وسفهاء وجهالًا, لا فطنة لهم ولا حنكة ولا دربة ولا تجربة, إلا فيما يخدم المستعمر والمستبد ويسوؤ الأخلاق والقيم , بل لربما تمنى أن تعيش أجيال الأمة حياة نباتية فيها الطعام والشراب والتنفس والتكاثر ... لكنها خالية من مجرد التفكير , بل من مجرد الشعور بالأزمة والإحساس بالمشكلة , ورحم الله المنفلوطي , إذ يقول:"ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته , بل جنايته الكبرى عليه أنه أفسد عليه وجدانه , فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية , ولا يذرف دمعة واحدة عليها".

واليوم تتأزم تلك المشكلة , وتتفاقم تلك الأزمة حينما يحاول بعض ضحاياها - عبثًا - تعطيل عمل العقل النقدي وشلَّ قدراته في مجالين من أخصب مجالاته المعرفية , ألا وهما السياسة والفكر , وذلك بعلة عليلة ودعوى ساقطة , وهما الحذر من الافتئات على مسؤولية"ولي الأمر"في السياسة , والتحذير المفرط الذي يبلغ مبلغ الوسوسة من شر الفلسفة والتفلسف في الفكر , وما ذاك - لعمر الله - إلا مظهر من مظاهر الإفلاس الفكري , والإملاق الثقافي , والأمية الفكرية العمياء.

وفي المقابل فإن بعض صرعى هذه الأزمة يحاول - عبثا - إقصاء ثقافة مجتمعهم ودينه من ميدان المعرفة ومجالات الحياة إقصاء تامًا , وحشره في الوجدان القلبي والتراث المنسي الذي لا علاقة له بالحاضر والمستقبل , وما ذلك إلا بسبب قصور عقولهم وضيق أفقهم عن استيعاب ثقافتهم المعرفية التي شكلت عقول أبناء أمتهم وكيفت نفوسهم.

ولو حصل لهؤلاء أو أولئك مرادهم لكانت الحالقة الصلعاء التي لا دواء لها , لأنها ردة نكراء عن أصول المنهج الرباني الذي نهض بأعباء عصره, واضطلع بمسئولياته أمام الخالق والخلق , حتى أخضع كل النظريات والنظم في عصره لميزانه, سواء أكانت سياسية أم فكرية أم اقتصادية أم اجتماعية , لم يكن شيء من ذلك محضورًا, بل كل تحت طائلة النقد والتقويم.

تتلون [الأمية الفكرية] وتتشكل بحسب مواضيعها , فهناك أميَّات فكرية متعددة سياسية كانت أم اجتماعية أم تربوية أم دينية , إلا أنها تتوحد في أماراتها , وتأتمر بدلائلها, إذ تجمعها مظاهر منهجية متنوعة, وتنطلق من منطلقات متشابهة , قاعدتها الفكرية منطق لا منطق له , يسمي - تجوزًا - بـ [منطق العوام] ، ذاك المنطق الذي يُعد عدوًا للمنهجية العلمية والائتلاف المعرفي.

فلئن قام المنطق العقلي المنضبط على حسن التصور ودقة التصديق- لاعتماده على الضرورات الأولية التي تنظم سير الذهن وتضبط أحكامه، فإن [منطق العوام] قد قام على فساد التصور وفوضى التصديق والأحكام , ولذلك دعت الآثار السلفية إلى أخذ الحيطة والحذر في مخاطبة أتباع هذا المنطق , ومن ذلك قول ابن مسعود رضي الله عنه:"ما أنت محدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة".

تتجلى الأمية الفكرية وذاك المنطق العامي بمظاهر عديدة , منها الإمعيَّة الفكرية, واحتكار الحقيقة , والهروب من الواقع إلى الماضي , وتسطيح النقد وتهويل الأخطاء وهشاشة البناء الفكري والمعرفي , وتبلد الشعور بالأزمات والمشكلات الفكرية والحضارية.

غير أن أهم تلك المظاهر - في تقديري - هو ضيق [الخريطة الإدراكية] , ذلك لأنها متعلقة بالتصور , وهو الذي يحدد معالم الفكر ويملي منهجيته , ويشكل القاعدة للأحكام والنقد والتقويم , ولذلك يقول فقهاؤنا:"الحكم على الشيء فرع عن تصوره".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت