فهرس الكتاب

الصفحة 10450 من 28557

والطاعة الحقيقة للقائد تتطلب من الجندي أن يعرض وجهة نظره على القائد؛ إذ ليس من مقصودنا ما يسميه البعض بالطاعة العمياء، فنحن إنما نريد الطاعة المبصرة، والتي تدفع الجندي إلى أن يفكر فيما يوجه إليه، فإن وجد ما هو أصوب - في رأيه - ذهب إلى قائده وعرض عليه رأيه، فإن قبل فبها ونعمت، وإن كانت الأخرى فليس إلا الطاعة ودون تأفف أو ضجر ما دام في غير معصية لله سبحانه وتعالى.

وهذا الأمر هو عين ما حدث من خباب رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رأى خباب أن استعجال النصر مصلحة في ذلك الوقت، وكان هذا اجتهاد منه، وعليه ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه ذلك بالدعاء، وكان أن أوضح له الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين له ضرورة الصبر، وهنا أيضا سمع خباب رضي الله عنه وأطاع، وقبل الأمر وكف اليد.

وقد تعلم خباب شيئا غاية في الأهمية وهو الطاعة لولي الأمر؛ إذ لا جماعة بغير إمرة ولا إمرة بغير طاعة، وهذه تربية راقية.

وإن هذه الجماعة التي يتعامل فيها قائدها مع جنوده بهذا الأسلوب التربوي، وتلك التي يتعامل فيها الجندي مع قائده بهذا الاحترام وهذه الطاعة، لجماعة منصورة بإذن الله.

الحكمة الثالثة:

أن الدعوة السلمية في هذه البيئة كانت أشد أثرًا وأعظم نتيجة.

وفي سبيل توضيح هذه الحكمة نود أن نسأل سؤالا: ما هو غرض المسلمين نهاية الأمر؟ هل هو حكم مكة، أم هو إسلام مكة؟!

والإجابة بالقطع أن الغرض هو إسلام مكة، وليس مهما من الذي يحكمها بعد ذلك، المهم أن يحكمها بكتاب الله سبحانه وتعالى وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المهم والمقصود.

وهذه البيئة المكية كانت قد ألفت العنجهية والشرف والعلو والعزة، فإن فُرض عليها رأي بالقوة فلن تتقبله، وكان سيحدث صراع مبكر بين المؤمنين والكافرين، وبسببه سيرفض الكافرون الدخول في هذا الدين استكبارا وعنادًا.

ومن هنا فلا بد للداعية من أن يدرس نفسيات من يدعو؛ فمن الناس من يتأثر بمظاهر الرحمة في الداعية، ومنهم من يتأثر بذكاء العقل عند الداعية، ومنهم من يتأثر بقوة البدن عند الداعية، ومنهم من يتأثر بلطف وأدب الداعية، وهكذا، فقد خلق الله عز وجل الناس مختلفين، ولا بد للداعية أن يتعامل مع كل هذه النوعيات، ولا بد أن يراعي ظروف المدعو وظروف البيئة التي يعيش فيها، وكذلك لا بد أن يكون ذكيًا ومرنًا حتى تنجح دعوته، وبعد ذلك فالموفق من وفقه الله عز وجل.

إذن كانت الدعوة السلمية تناسب ظروف مكة في ذلك الوقت.

الحكمة الرابعة:

كان أيضا من الحِكم في كف المؤمنين عن القتال في مكة هو تجنب الفتنة الخطيرة التي كانت ستحدث في مكة، وتلك المقتلة العظيمة التي ستحل في كل بيت، وأيضا تجنب السمعة السيئة التي كانت ستلتصق بالإسلام من وراء ذلك، والتي كانت سترمي إلى أن الإسلام يؤدي إلى فتن عظيمة.

والسبب في ذلك أنه لم يكن هناك في أرض مكة حكومة مركزية هي التي تتولى أمر تعذيب المؤمنين، بل كان قد تكفل كل زعيم بأتباعه، وتكفل كل والد بولده، وكل سيد بعبده، وكل شيخ قبيلة بأفراد قبيلته وهكذا، فكان يقوم بتعذيب مصعب بن عمير - مثلا - أمه، وكان الذي يعذب عثمان بن عفان عمه، وكان الذي يعذب خباب بن الأرت سيدته، والذي يعذب بلال بن رباح سيده وهكذا.

ومن هنا فلو قاتل المؤمنون دفاعا عن أنفسهم فإنهم - لا ريب - سيقاتلون آباءهم وأعمامهم وقبائلهم، وحينها ماذا سيقول الناس عن الإسلام؟

لقد كانت فرية الكافرين العظمى أن هذا الدين يفرق بين الولد ووالده، وبين الرجل عشيرته، وبين المرء زوجته، وهذه فريتهم ولم يكن قد نشب قتال بعد، فما البال وما الخطب لو كان قد حدث قتال؟!

فكان هذا عاملا مهما جدا لتجنب الفتنة الخطيرة التي كانت ستحدث داخل مكة، وأيضا للحفاظ على الصورة النقية الصافية للإسلام كما هي.

الحكمة الخامسة:

وهي علم الله عز وجل أن كثيرًا من أهل مكة سينتقلون بعد ذلك من معسكر الكفر إلى معسر الإيمان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت