وتعقد الحوار العربي- العربي في هذا المجال أيضًا، نتيجة تدخل إيران من ناحية ودعمها المطلق لـ"حماس"وتشجيعها لها على عدم التفاوض مع إسرائيل، وعلى المقاومة حتى ولو كان ذلك بغير استراتيجية واضحة، وبغير إجماع من الشعب الفلسطيني كله، وبدون تعبئة حقيقية. وذلك بالإضافة إلى دخول"حزب الله"اللبناني إلى صميم ساحة المساجلات العقيمة من خلال خطب ن نصر الله التحريضية العقيمة، التي لم تزد الموقف إلا اشتعالًا.
وهكذا توقف الحوار الفلسطيني- الفلسطيني نتيجة دخول أطراف إقليمية مثل إيران، ودعمها الصريح للاتجاهات المتطرفة لحركة"حماس"التي -كما أعلن قادتها- تريد تصفية السلطة الفلسطينية، وإنشاء مرجعية فلسطينية تهيمن عليها، مما سيؤدي في النهاية إلى تضييع قضية الشعب الفلسطيني إلى الأبد!
وليس غريبًا أن يمر الحوار السياسي العربي- العربي بأزمة حادة عنيفة، بعد أن حاولت بعض الدول الصغيرة مثل قطر أن تختطف مؤتمرات القمة لحسابها، بدعم من إيران، سعيًا وراء إدخال النظام الإقليمي العربي في دائرة نظام شرق أوسطي جديد فيه إيران وفيه إسرائيل معًا! وإن كانت هناك أزمة في الحوار السياسي بين الدول العربية فإن هناك أزمة أخرى لا تقل تفاقمًا في مجال الحوار الأيديولوجي، بين تيار الإسلام السياسي والتيار الليبرالي العربي.
ومن المعروف أن ممثلي الإسلام السياسي ظهروا في عديد من البلاد العربية سواء من خلال المنابر الشعبية التي احتكروها بحكم لجوئهم إلى الخطابة الدينية التحريضية، أو من خلال الانتخابات كما حدث في حالة"حماس"، وفي حالة مصر حيث انتخب ما يزيد على ثمانين نائبًا من نواب"الإخوان المسلمين"في الانتخابات التشريعية الأخيرة، على رغم أنها جماعة محظورة بنص القانون، ولكنهم انتخبوا كمستقلين.
ويمكن القول إن الحوار أصبح مستحيلًا بين ممثلي تيار الإسلام السياسي وممثلي باقي التيارات الوطنية، والليبرالية العربية، بحكم ضيق وانغلاق رؤية العالم التي تصدر عنها جماعات الإسلام السياسي، وسواء كانت أحزابًا سياسية أم جماعات ثقافية.
هذا التيار الإسلامي السياسي لا يؤمن أنصاره بالحدود بين الدول، ويرون أنها من صنع الاستعمار، وأن هناك أمة إسلامية واحدة، وأن الوطنية فكرة رجعية استعمارية، وأن الأممية الإسلامية هي الأساس. ومن هنا فاستراتيجيتهم هي قلب النظم السياسية العربية العلمانية، وتأسيس دول دينية محلها تحكم بالشريعة الإسلامية ليس في حقيقتها التي تقوم على الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية، ولكن كما يفهمونها هم والتي تقدم -في رأيهم- على القهر السياسي للخصوم، وتكفيرهم ومنع أي أصوات مخالفة لهم، وإعلان"الجهاد"هكذا ضد الدول الكافرة.
وقد ظهرت أفكارهم المتطرفة أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث دعا بعض زعمائهم إلى عدم الاعتداد بالحدود المصرية وفتح المعابر بلا أي قيود، أمام الفلسطينيين، حتى لو تدفق الملايين بينهم. وأفتى أحدهم بأن في ذلك تطبيقا لمبدأ إجارة المسلمين لو استجاروا. ونسوا أن في ذلك تطبيقًا لخطة"الترانسفير"الإسرائيلية التي تريد طرد الفلسطينيين من أرضهم.
وهكذا ليست لدى هؤلاء أي ضوابط تحكم فكرهم ومسلكهم، وفي هذا تطبيق دقيق لاستراتيجيتهم الحقيقية حتى لو أنكروا وجودها. لقد حاولوا الانقلاب على الدولة في السودان، وحاولوا محاولات متعددة في مصر وفشلوا، ويدخلون الآن في صراع عنيف مع النظام الأردني، ويقومون بانقلابات شتى في الجزائر والمغرب، بحيث أصبح تيار الإسلام السياسي أحد المعوقات الحقيقية للتحول الديمقراطي في العالم العربي.
وليس ذلك فقط لعدم إيمانهم الحقيقي بالديمقراطية المعاصرة، ولكن لأنهم يدفعون النظم السياسية العربية دفعًا إلى إعلاء الضوابط الأمنية تحسبًا من فكرهم المتطرف، والذي تحول في حالات متعددة إلى فكر إرهابي، لم يتورع أنصاره عن ممارسة العنف الدموي سواء ضد الأجانب أو ضد المواطنين. وسجل الإرهاب المتشح بالإسلام معروف ولا داعي لتكراره. ويكفي في هذا المجال أن نشير إلى التاريخ الأسود لـ"الجماعة الإسلامية"ولجماعة"الجهاد"في مصر.
صحيح أن هذه الجماعات قدمت نقدًا ذاتيًا وأعلن قادتها رجوعهم عن طريق العنف، غير أنهم -من خلال القراءة الدقيقة لمراجعاتهم المنشورة- لم يراجعوا معتقداتهم الأساسية ولا آراءهم التكفيرية للدولة والمجتمع في العالم العربي.
وهكذا يمكن القول إن الاختلافات السياسية العميقة في توجهات الدول العربية من ناحية، والصراعات الإيديولوجية الحادة بين تيار الإسلام السياسي وغيره من التيارات السياسية، من شأنها أن تساعد على استمرار أزمة الحوار العربي، في عالم متغير زاخر بالمشكلات التي تدعو لاعتماد الحوار أساسًا متينًا للتفاهم بين البشر.