فهرس الكتاب

الصفحة 14036 من 28557

الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة: 4] .

إي والله إنه لسؤال محير: أين دروس المساجد؟ وأين محاضرات أهل العلم، وأشرطتهم المسجلة، وبيانهم للناس فيها عقيدة التوحيد القائمة على الولاء والبراء؟ أين الاعتزاز بدعوة المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأئمة الدعوة من بعده، والذين كان جل كلامهم ورسائلهم في شرح هذه العقيدة ولوازمها والتحذير مما يخالفها وينقضها؟ أين نحن، وأين علماؤنا من بيان هذا الحق الأصيل للناس؟! أين هم عن ذلك والأمة تمر في ساعات عصيبة تحتاج مَنْ يبعث فيها عقيدة الولاء والبراء، وبناء المواقف في ضوئها؟

وهنا أعود إلى عنوان هذه المقالة بعد أن تبين لنا معناها، وأقول: إن هناك فرق بين تناول التوحيد كعلم مجرد وبين أخذه علمًا وحالًا وسلوكًا.

إن المواقف المتخاذلة اليوم أمام أمريكا الكافرة وربيبتها دولة اليهود، وعدم الصدع والجهر بعداوتها والبراءة منها ومن يتولاها من المنافقين من بني جلدتنا لهو أكبر دليل على أن التوحيد عند الكثير منا بقي في حدود العلم المجرد، أما أخذه علمًا وحالًا وعملًا فإنه - ويا للأسف - أصبح مغيبًا عن الأمة، ومغيبًا عن المواقف والممارسات.

إن هذا الدين يرفض اختزال المعارف الباردة في الأذهان المجردة.

إن العلم في هذا الدين يقتضي العمل، ويتحول في قلب المسلم إلى حركة وأحوال ومواقف، إذ لا قيمة للمعرفة المجردة التي لا تتحول لتوِّها إلى حركة ومواقف. نعم، لا قيمة للدراسات الإسلامية في شتى مناهجها ومعاهدها، ولا قيمة لاكتظاظ الأدمغة بمضمونات هذه المعارف إن لم يصحبها عمل ومواقف.

إن العلم المجرد حجة على صاحبه إذا لم يقتضِ عنده العمل.

إن العلم بالدين لابد أن يزاول في الحياة، ويطبق في المجتمع، ويعيش في الواقع، وإلا فما قيمة الدروس المكثفة عن الولاء والبراء وأنواعه، وما يضاده من الشرك وما ينقضه من النواقض، ثم لما جاءت المواقف التي نحتاج فيها إلى تطبيق ما تعلمناه من مشائخنا فإذا بالسكوت، بل والتشنيع على من ترجم ما تعلمه إلى سلوك وحال مع أعداء الله - عز وجل - فأعلن براءته وصرَّح بما تعلمه من علمائه ومشائخه من أن تولي الكفار ومناصرتهم على المسلمين رِدَّة وناقض من نواقض الإسلام.

إن شأن التوحيد شأن عظيم من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، وقام سوق الجهاد وسوق الجنة والنار، ومن أجل الولاء والبراء - الذي هو أس التوحيد وركنه الركين - هاجر المسلمون السابقون الأولون من ديارهم، وضحّوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وفاصلوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وعشائرهم الذين ليسوا على دينهم متمثلين في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ* قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (24) سورة التوبة [التوبة:23 - 24] .

ولما كانت عقيدة الولاء والبراء هي صلب كلمة التوحيد، وأنها تستلزم أقوالًا وأعمالًا ومواقف وبذلًا وتضحيات اهتم بها السلف اهتمامًا عظيمًا، وعلموها لأولادهم، وتواصوا بها، وهاجروا، وجاهدوا من أجلها، وعادوا، ووالوا على أساسها.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت