تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) (متفق عليه) .
وتزكية النفس تكون على درجات متفاوتة: فأحيانًا تكون داخل النفس دون أن يظهر في الكلام ويرى الإنسان القشة التي تظهر في عين أخيه ولا يرى الجذع الذي في عينه، وأحيانًا يكون في الحال والسلوك فيقول المرء بلسان حاله:"أضاعوني وأي فتى أضاعوا ...".
وأحيانًا تزداد حتى تظهر على اللسان؛ فيمدح المرء نفسه، ويعدد كمالاته ورجحان عقله وفكره وقيادته، وأحيانًا يزداد حتى يُسخِّر من تحته لمدحه، ويجنِّد من يذكر فضائله وينادي في الناس بتفرده، ويكون مقدار المدح والثناء له الذي يبذله منافقوه والقدح في غيره هو المؤهل الأساسي للتقديم والتقريب وتولية المسئوليات! فيوسد الأمر إلى غير أهله؛ فيخرب العمل وتضيع الأمانة، وكثيرًا ما يتستر مرض تزكية النفس وراء ستار مدح المنهج الذي ينتمي إليه الشخص أو مدح الجماعة والطائفة التي ينتسب إليها والدعوة التي يدعو بها، وهو يخفي عن نفسه حقيقة الداء ويغور دفن أعراضه في الأعماق؛ حتى لا يبحث عن العلاج ولا يأخذ الدواء، فيتمكن المرض ويزداد حتى يهلك!""
النظر إلى النفس بعين الكمال يُعمي القلب عن رؤية عيوبها وأمراضها التي يجب معالجتها، وهو منبع الكبر والعجب والحسد
ولقد علَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ورباهم على معالجة هذا الداء: بالنظر إلى الذنوب والخطايا، وداوم استحضار خطرها، والاعتراف بالظلم بالقلب قبل اللسان؛ اتباعًا لنبي الله يونس -عليه السلام- الذي قال: (لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء:87) ، فعلَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر -رضي الله عنه- دعاءً يقوله في صلاته، فقال له: (قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (متفق عليه) .
وتأمل دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو خير خلق الله: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (متفق عليه) .
وتأمل في سيد الاستغفار: (أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، اغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ) (رواه البخاري) .
فنظرة المؤمن إلى عيوبه وذنوبه تمنع عنه مرض العجب والكبر الذي يُهلكه، ولجوؤه إلى الله وافتقاره إليه وشعوره بعجزه وشهوده أنه لا يستطيع أن يقوم بأمر نفسه وصلاحها لو وكله الله إليها طرفة عين، فيقول: (يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ) (رواه الحاكم والبزار، وحسنه الألباني) ؛ يمنع عنه تزكية النفس وعيب الآخرين والجرأة على تحمل مسئولية خاف من حملها مَن هم أفضل منه أضعافًا مضاعفة، وتفتح له باب التفتيش في أعماق النفس؛ ليستخرج الأمراض المدفونة ويعالجها، فإنه لابد وأن يصدق مع الله في قوله:"وَأَبُوءُ بِذَنْبِي"، وليس فقط يحرِّك لسانه به مع استمرار شهود كمال النفس، وحاجتنا إلى البحث عن عيوبنا أعظم أهمية من دعوة الآخرين لإصلاح عيوبهم، والاستفادة من هدايا العيوب، ولو كانت من كاشح -المضمر للعداوة- أنفع لنا من الرد والدفع واتهام المخالف في نيته وقصده.
(يُتْبَعُ)