فهرس الكتاب

الصفحة 13169 من 28557

2_ على المستوى الفكري والعقدي: يتوجس معظم المسلمين خيفة من معاني حرية الاعتقاد والفكر لأنه يغلب على ظنهم أنها ستفضي إلى الفوضى الدينية وانتشار العقائد الفاسدة والإلحاد وتهديد أسس التوحيد، والواقع أن التخوف ليس من الحرية ولكن من استعمالها استعمالًا مغرضًا، وهذا شيء منفصل عنها وليس بالضرورة ملازمًا لها، وهذا القرآن الكريم يؤسس بجلاء لحرية العقيدة كما في آية سورة الكهف التي ذكرناها في أول المقال وكما في آية البقرة"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، فالحرية تقود إلى الرشد وأما الغي فهو سعي من النفوس الخسيسة التي يجب أن تربى أو هو تآمر فكري أو استعماري يجب أن يقاوم بالأساليب المناسبة من طرف المجتمع والدولة والأمة، وهذا صلح الحديبية يمكن تلخيصه في شيء واحد هو إشاعة الحرية وقد دل الواقع أنه كان في صالح المسلمين لأن أجواء الحرية جلبت الناس إلى الدين ولم تسجل حالة ردة واحدة، والخوف في العصر الحاضر من الردة خوف مشروع بسبب ضعف البنية الإسلامية وشراسة الهجمة المعادية، غير أن الارتداد عن الإسلام ليس ظاهرة اجتماعية إطلاقًا وإنما يقتصر الأمر على حالات فردية تفرحنا أكثر مما تسوؤنا لأنها تنفي عن ساحتنا الخبث والنفاق، كما أن الأخذ بمبادئ حرية الفكر والعقيدة في إطار الثقافة العالمية السائدة لن يكون إلا في صالح الإسلام إذا أحسنا عرضه والحجاج بأدلته ونصوصه وتاريخه وخاطبنا العقل المعاصر بأدواته من منطق قرآني يستند إلى آيات الكون والأنفس وينظر في سنن الله في الإنسان والمجتمعات والطبيعة وضمنا للمخاطبين حرية البحث وأسسنا مناخ الحجة والمجادلة العلمية وابتعدنا نهائيا عن النظرة الفوقية والأحادية في التعامل معهم"وجادلهم بالتي هي أحسن"، ورغم مجهودات طيبة في هذا الاتجاه فإن العقل المسلم المعاصر مازال في حاجة إلى تأصيل للحرية في مجال الاعتقاد والفكر.

3_ على المستوى السياسي: ألقت هذه النظرة التقليصية للحرية الفكرية والعقدية بظلالها على الرؤية السياسية عند أصحاب المرجعية الإسلامية فتلمس من الأدبيات والتصريحات والممارسة العملية أن حرية النشاط السياسي لا يصلح أن تتاح للاتجاهات المناوئة للإسلام في البلاد الإسلامية وتنحصر بالتالي في الإسلاميين وحدهم، وهي نفس الرؤية التي اعتمدتها الفلسفات الشمولية والأنظمة الاستبدادية مهما اختلفت مرجعياتها الإيديولوجية والتي تسحب من الحرية معناها وجوهرها، وهو القدرة على الاختيار بين طرق شتى، وبدل تقزيم الحرية السياسية يجب على العقل المسلم أن يجتهد في حسن عرض الإسلام ليقبل عليه أكبر عدد ممكن من المسلمين أنفسهم باعتباره عقيدة وشريعة ومنهجًا للحياة يتناول شؤون الدنيا والآخرة، أي ينبغي أن نجدد ونجوّد آليات الخطاب الإسلامي عقليا وعاطفيا ونتحمل مسؤولياتنا في حال النجاح والإخفاق بدل محاولة تصفية الخصوم بالإٍرهاب الفكري ليخلو لنا الجو فنفرض آراءنا برضا الناس أو بغير رضاهم ... تمامًا كما تفعل الأنظمة الدكتاتورية التي تسلطت على المسلمين وغيرهم.

4_ على المستوى الحركي: للتنظيمات الإسلامية الحركية إيجابيات لا ينكرها منصف تتمثل أساسًا في استمرارية الدعوة إلى الله التي تخلت عنها الدولة القومية وفي حفظ الشخصية الإسلامية من خلال الحضور في ساحات المطالبة بعودة الحكم الإسلامي وإشاعة القيم والأخلاق والمناداة بالحل الإسلامي.

لكن هذا المستوى لم يسلم هو الآخر من التضييق على الحرية نظريًا وعمليا، وهذا واضح في التركيز الشديد على الجندية والانضباط فحدث التهيب من المبادرة واتسع مدى السلبية عند الأفراد مهما كان مستواهم الذهني والسلوكي وتقلصت مساحة الإقدام والجرأة والمبادرة وتضخمت صفوف الجندية على حساب صفوف القيادة، وكان من نتائج ذلك انحسار ممارسة الشورى رغم إقرار مبدئها في اللوائح لأن العمل بالشورى يقتضي حتما التحرك بحرية في إطار الضوابط الشرعية وحدها أما عندما توجد القيود النفسية أو التنظيمية فإن الشورى لا تعدو أن تكون صورية كتلك التي سماها الفقهاء"الشورى المعلمة"في مقابل"الشورى الملزمة"التي يقدر عليها من لديه الحرية ليقول لا، أما الذي لا يستطيع إلا أن يقول نعم فقط سقط في العبودية لغير الله بشكل من الأشكال، ولذلك ينبغي أن تطعم الحركات الإسلامية وقواعدها بجرعات أقوى من الحرية لتوفر القادة وأهل الحل والعقد والمفكرين والمجتهدين، بل وحتى الجنود (أي الأتباع) لا بد أن يذوقوا في تكوينهم وعملها طعم الحرية التي أتاحها الله تعالى لعباده جميعا، ولهم قدوة في هدهد سليمان وهو الجندي الصغير الذي كان إيجابيا وبادر واستكشف وكان سببًا في دخول ملكة سبأ الإسلام.

خلاصة

يجب أن نعترف أن العقل المسلم المعاصر استفاد من التحديات الفكرية العالمية ومن ضغوط الواقع فنقد نفسه وراجع وصحح على كل المستويات التي ذكرنا، لكن أمامه أشواطا طويلة لا بد أن يقطعها ليعيد للحرية معياريتها كما حددتها المرجعية الإسلامية ومارستها الأجيال المزكاة، ثم إن العناية بهذه القيمة الكبرى تجعل الإسلاميين يضمون إلى صفهم ولو ظرفيًا وتدريجيا كثيرا من الأطراف التي تعاني من الظلم والاضطهاد والاستبداد، وهذا يصب في صالح الإسلام والإنسانية كلها، وهو ما ينبغي أن تنص عليه البرامج السياسية للأحزاب الإسلامية وتشيعه أدبيات العاملين للإسلام.

بقي أن نؤكد مخالفتنا لقول القائل:"إن بابا إذا فتح دخله مع الرجل الصالح الواحد عشرون فاسدون جدير بأن يبقى مغلقًا"، لأن باب الحرية فتحه الله وهو جدير إن أحسنا التصرف فيه أن يحول الفاسدين إلى صالحين، وصدق الله القائل"أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين".

المصدر: موقع الشهاب

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت