فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ويحسن بنا هنا أن نذكر كلامًا قيمًا للإمام ابن القيم رحمه الله حيث قال في كتابه النافع الماتع إعلام الموقعين ما نصه:
"المثال الثالث: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة. قال السعدي: حدثنا هارون بن إسماعيل الخراز ثنا علي بن المبارك ثنا يحيى بن أبي كثير حدثني حسان بن زاهر أن ابن حدير حدثه عن عمر قال:"لا تقطع اليد في عذق ولا عام سَنَة" ( [2] ( http://majles.alukah.net/#_ftn2 ) ) قال السعدي: سألت احمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال:"العذق: النخلة، وعام سنة: المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به. فقال: إي لعمري.
قلت: إن سرق في مجاعة لا تقطعه. فقال لا إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة.
قال السعدي: وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب ثنا أبو النعمان عارم ثنا حماد بن سلمة عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبٍ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَانْتَحَرُوهَا فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ فَقَالَ الْمُزَنِيُّ قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ عُمَرُ أَعْطِهِ ثَمَانَ مِائَةِ دِرْهَمٍ ( [3] ( http://majles.alukah.net/#_ftn3 ) )
وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفصلين جميعًا، ففي مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها السعدي بكتاب سماه المترجم قال سألت احمد بن حنبل عن الرجل يحمل الثمر من أكمامه فقال: فيه الثمن مرتين، وضرب نكال. وقال: وكل من درأنا عنه الحد والقود أضعفنا عليه الغرم، وقد وافق أحمدَ على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعي، وهذا محض القياس ومقتضي قواعد الشرع، فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة، غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه، ويجب على صاحب المال بذل ذلك له إما بالثمن أو مجانًا على الخلاف في ذلك، والصحيح وجوب بذله مجانًا، لوجوب المواساة، وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازنت بين هذه الشبهة، وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت. فأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة كالماء، وشبهة القطع به مرة، وشبهة دعوى ملكه بلا بينة، وشبهة إتلافه في الحرز بأكل أو احتلاب من الضرع، وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشبه الضعيفة جدًا إلى هذه الشبهة القوية، لاسيما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه، وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغنى منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه فدرئ.
نعم. إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قطع."انتهى. ( [4] ( http://majles.alukah.net/#_ftn4 ) ) "
ثالثًا: النظر في مقاصد الشريعة.
اعلم أن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها ومصالحها في الخلق، وهذه المصالح إما أن تكون ضرورية او حاجية أو تحسينية.
فأما الضرورية: فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفوت حياة وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين، ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل.
وأما الحاجيات فمعناها: أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب.
وأما التحسينات فمعناها: الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق. ( [5] ( http://majles.alukah.net/#_ftn5 ) )
(يُتْبَعُ)