فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهنا يُفترض أن ندرك ضرورة المحافظة على أمن الوعي والتفكير، وألا نتحول إلى استجابة لحركة ارتباك؛ يرسمها الطرف الآخر في الصراع وصناعة الحدث؛ فحينما نفتقد التوازن , وربما يلحُّ البعض في رسم صورة النهاية , استقراءً ومراقبة من مقدمات تكوّن بداية الحدث؛ فهنا ندرك أننا لم نحسن تقدير الأمور , وكأننا نستعجل رسم خيارات غيرنا في التعامل معنا.
إن المشكل الأكبر في الحدث يوم ينتج عنه هزيمة في الوعي. ربما يكون التعبير الأدقُّ هنا أن نقول: يوم نُنْتج من الحدث هزيمةَ الوعي،إن أي حدث - أيًا كانت بدايته - لا يمكن أن يؤهل لهذا الإنتاج؛ بل طبيعة الأحداث أنها: تصنع الوعي والإدراك؛ ولهذا ذكر الله قصص وأحداث الأمم في القرآن وقال: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ... ) .
أحيانًا قد يكون هذا المُشكل يتولد من النظر إلى الحدث , فحينما يكون الحدث في دائرة الصراع أي: يتكون منه صراع: اقتصادي أو عسكري أو حضاري، أو ثقافي أو نمط آخر؛ فهنا يتحصل لدي كثيرين سيطرة عقلية الصراع في سائر تسلسلات المرحلة. وربما تشكّل عن هذا مفهوم متواصل كنتيجة لهذه السيطرة. وهنا ندرك أن الخطأ لم يتكوّن من مجرد طبيعة الصراع , فهذا أمر تحتّمه طبيعة الحدث. والصراعُ ليس أزمة في سائر المواقع؛ بل هو قانونُ فضيلةٍ يومَ يقع في المحل المناسب له؛ لكنّ تكوّن الخطأ فرع عن سيطرة مفهوم واحد، هو في هذه الفرضية (الصراع) . وهنا يمكن أن نقول: إن نفس المشكل والخطأ سيتكوّن بدرجة ما لو فرض سيطرة عقلية (اللاصراع) ، فليست الأزمة ضرورةً نتيجة قبول الصراع أو رفضه.
إن عقلية البعد الواحد في التعامل مع الحدث من أخص أزمات فقدان التوازن والوعي؛ ولهذا قد يتولد من هذا المفهوم ظاهرة اليأس والإحباط , وربما فوضى التفكير والإنتاجِ، أمام الأحداث الشمولية التي تحمل خسارة في بعض مراحلها , ومن المقدر أن عقلية البعد الواحد في التعامل مؤهلة لصناعة المواقف المتناقضة، وحركة صراع المتقابلات داخل الأمة.
إن ثمت مجالات من العمل والتفكير تُعَد الأحداث الشمولية رائدة في بناء مفاهيمها الصحيحة , أي: أنها تساعد في تكوين الفكرة، واختبارها، وتأهيلها للعمل.
وحينما نلتفت إلى المفهوم الشمولي التعددي في التعامل مع الأحداث؛ فمجرد تجاوزنا لعقلية البعد الواحد؛ يعد قاعدة من الفضيلة التأسيسية لبناء الوعي. وهنا يُقّدر أن ندرك أن الأحداث الشمولية وإن كانت تفرض بطبيعتها ردود أفعال فمن المهم أن نتصور أن ردود الفعل تعتبر من حيث الأصل حالة طبيعية من الصعب معاندتها , وفرض تجاوز الحدث الشمولي دون مشاهدة هذه الحركة؛ لكن مع هذا التقدير لواقعية ردود الأفعال باعتبارها قاعدة تقابلية قائمة في الأشياء؛ يجب ألا نسمح لردود الفعل أن تتحول إلى مفهوم شمولي يحكم تعاملنا مع الحدث باستبداد وأُحادية.
ومن هنا يجب ألا تتحول ردود الفعل إلى تطوير للأزمة وتعقيد للمشكلة القائمة.
إن ردود الفعل طبيعة ذاتية في الإنسان؛ وهنا من الصعب أن نفترض إلغاءها , فهنا لسنا نصنع شيئًا يُذكر؛ بل هذه الطبيعة إذا وقعت في دائرة الاعتدال مؤهلة للمشاركة في بناء اعتدال النفس واستلابها غضبها الذي قد يعميها في مرحلة قادمة قد تكون أصعب بكثير من البداية، من المهم أن تحتفظ النفس فيها باعتدالها ومصداقيتها.
لكن حين ندرك أن ردود الفعل في الأصل قاعدة في الطبيعة البشرية؛ فمن الضروري الوعيُ بأن هذه الطبيعة ليست مؤهلة لتكون سلطة، ولئن كانت قد تساهم في اعتدال النفس؛ فقد تكون مسؤولة عن خلل في حركة النفس ونظام التفكير.
إن الاستسلام لهذه الطبيعة يعني كثيرًا حاكمية الذّات، وتجاوز قواعد العدل والإحسان وهذه حال لا تناسب أهل الإسلام فإنهم محكومون بقضاء الله ورسوله (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ... ) .
وحين ندرك هذا الرفض لهذا النوع من الحاكمية الذي ذكره الباري في التنزيل:
(أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا) فضمن هذا تصور آخر , هو: أنه يتكون عن حاكمية الذات؛ فقدان الوعي وصوابِ التفكير؛ ولهذا جاء قوله بعد الآية الآنفة (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا) .
(يُتْبَعُ)