الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ التوبة71، وهكذا النصيحة التي هي من أعظم أمور الدين ـ كما في حديث"الدين النصيحة .."ـ هي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وأيضًا فمهمة الأنبياء جميعًا ـ عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ هي أمر ونهي، فالآمر والناهي اليوم متبع وليس بمبتدع، ووجود هذا الصنف في الناس جالب لأمنهم وسلامتهم ـ وإن أبغضهم من لا يعرف مصلحته الدينية والدنيوية ـ ورافع لسخط الله وغضبه بقدر ما يحققه من مراد الله عز و جل، فما لهؤلاء القوم المثيرين لهذا الضجيج بدون رحمة لا يراجعون أنفسهم؟!.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد حذّر من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحذر من التهاون في الأخذ على أيدي المفسدين، وإن كان فاعل المنكر حسن القصد، فكيف إذا كان هناك من يفعل المنكر جرأة على الله؟ واستهتارًا بالذنوب؟ فكيف إذا كانت بعض المنكرات من ورائها مؤسسات ومنظمات تنظم هذه المنكرات، وتطورها، حتى تستحكم الرذيلة في المجتمعات؟!
جاء في"صحيح البخاري"من حديث النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها: كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مَرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا؟! فإن يتركوهم وما أرادوا؛ هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم؛ نجوا ونجوا جميعًا"فهؤلاء أرادوا أن يخرقوا في نصيبهم خرقًا حتى لا يؤذوا إخوانهم، فتأمل نيتهم الحسنة في ذلك، ومع ذلك لم يتهاون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمرهم، وعدّ نجاة الجميع بالأمر والنهي، وهلكتهم بالمجاملة في ترك الأمر والنهي، أو الإعراض عن ذلك، فماذا نقول عما في زماننا من منكرات وجرأة، بل يصحب ذلك التشنيع والتجديع لكل من يسعى في علاجها؟! ألا يعلم هؤلاء أن كثرة الخبث سبب في الهلكة؟ كما في الحديث المتفق عليه من حديث زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ قالت: يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:"نعم إذا كثر الخَبَث"، ومعلوم أن الأمر والنهي يقلِّل الخبث، ويُسلم الناس من الهلكة، فلماذا هذه الحملة الشعواء؟!
الثاني: الأصل أن الأمر والنهي عام للمكلفين، كل في سلطانه، وحسب قدرته، وصلاحياته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث أبي سعيد الخدري:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"أخرجه مسلم.
ولكل طائفة قدرة على صورة من صور التغيير هذه أو أكثر، فولي الأمر يستطيع التغيير بيده وبلسانه ـ في الجملة ـ والوالد مع ولده، والزوج مع زوجته، والمدرس في مدرسته , .... وهكذا، فكل منهم يستطيع التغيير باليد واللسان ـ في الجملة ـ وإن كان ولي الأمر صلاحياته أوسع من غيره في التغيير باليد، وأما من كان عاجزًا عن التغيير باليد، أو اللسان ـ وهو حال كثير من الناس عند شيوع المنكرات وقوة أهلها ـ فيجزئ في حقه أن يغير بقلبه، وهو أن يكره ما يرى أو يسمع من المنكرات، ويفارق المكان ـ إلا إذا ترجحت المفسدة ـ فالواجب على الأمة جميعها أن تحمل هذا الحمل على عاتقها ـ كل بحسبه ـ إن أرادت عزة وأمانا في الدنيا، ورفعة ونجاة في الآخرة، ولا محيص لها عن ذلك،وإلا كان الذل والصغار على من خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والتاريخ خير دليل وشاهد على ذلك، فما قوي أهل الحسبة والأمر والنهي في زمن إلا عز فيه المسلمون، وهابهم عدوهم وهم في عقر دارهم، وعكسه عكسه، وهل أطاح بالأمم والدول إلا معاصي الليل والنهار، ومنكرات الشوارع والأسواق، كما قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} الإسراء16، وقال تعالى: وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ
(يُتْبَعُ)