رأيتكم قد أَبَّنْتُمْ الشيخ محمود خطاب السبكي حتى ذكرتم من فضله أنه كان من أنصار السنة، وأنه شرح سنن أبي داود فلا أدري أقلتم هذا بعد أن اطلعتم على كتابه (إتحاف الكائنات) الذي ألفه في آخر عمره فقد أفعمه بتكفير من يعتقد أن إلهه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، وأنه في سمائه دون أرضه، وأنه موصوف بصفاته التي أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم في صحيح سننه كاليدين والعينين، والساق والقدم، والنزول والضحك، والتعجب والفرح والرضا والسخط، والغضب والغيرة، إلى غير ذلك من الصفات المذكورة في القرآن وصحيح السنة، فحكم على كل من يعتقد شيئًا من ذلك أنه كافر حلال الدم والمال ونساؤه طوالق، وأولاده أولاد زنا وسفاح، ولا يخفاكم أن هذا كان معتقد السلف حتى ظهر المتكلمون نفاة الصفات وحقائق الأسماء، فهل كانوا كما قال الشيخ كفارًا أولاد زنا؟ فإذا لم يكونوا كذلك فما حكم من يؤلف كتابًا كهذا؟ أيستحق التأبين ونشر فضائله؟
الجواب
اشتهر الشيخ محمود خطاب السبكي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا سيما البدع الفاشية والحث على السنن الصحيحة قولًا وخطابة وتدريسًا وكتابة مع العمل في زمن يقل فيه من يقوم بهذه الفريضة من العلماء، واشتهر أنه قد تاب على يديه وانتفع به خلق كثيرون حتى صار إمامًا يتبعه ألوف من الناس ينسبون إليه فيسمون السبكية، وأعرف أفرادًا منهم من الأزهريين وغير الأزهريين هم سلفيون بقدر ما يعلمون من مذهب السلف، ومنهم من له عناية بنشر مذهب السلف وكتبه كالأستاذ الشيخ منير الدمشقي الكتبي المشهور. وقد اجتمعت به مرارًا قليلة على تواد وتعارف وتآلف، ورأيت له بعض الكتب الصغيرة في الحث على العبادات واتباع السنة اكتفيت من النظر فيها بمعرفة موضوعها، وقد اتُّهِمَ في أثناء الحرب الكبرى بتهمة سياسية كادت تفضي إلى إيذائه وإهانته فلجأ إليَّ فسعيت سعيًا صالحًا لإنقاذه من الشر، وكان الذين تولوا التحقيق في أمره قد جمعوا كتبه وكلفوا من يثقون بهم بمطالعتها للوقوف على خطته فقال لهم المشرف عليهم في إدارة الأمن العام: إن السيد رشيد رضا شهد له بأنه نافع للناس مأمون الضرر فأطلعوه في بعضها على مسائل مخالفة لخطة المنار في إنكار البدع والخرافات ذكرها لي ولكنها لم تمنع قبول شفاعتي أو شهادتي له.
وقد بلغني في أول هذا العام أنه ألف كتابًا في علم الكلام وطبعه خالف فيه مذهب السلف في مسألة الصفات وغيرها استاء منه كل من اطلع عليه من السلفيين، وكان بعضهم يجله ويحسن الظن في اعتقاده وعلمه فتحولوا عنه ورد بعضهم عليه، ولم أر هذا الكتاب ولكنني سألت عنه بعض تلاميذه فمنهم من وافق المنكرين ومنهم من حاول الدفاع عنه فكان ضعيفًا. وكنت علمت أنه منذ سنين يشرح سنن أبي داود، وعلمت في العام الماضي أنه صدر الجزء الأول منه، ولم أره ولا كتاب الكلام الذي قبله؛ إذ لم يهدهما إليَّ وما كنت لأشتري أمثال هذه الكتب الحديثة ولا أجد وقتًا للنظر فيها، إلا إذا حدث باعث أرى فيه مصلحة راجحة في ذلك، وقد انتقد لي رجل ذكي سلفي هذا الشرح ولكنه ليس عالمًا يوثق بانتقاده.
لأجل هذا كله اقتصرت في ذكر وفاته على أفضل ما علمته من سيرته وهو دعوة الناس إلى العبادة وترك المعاصي والبدع العملية، وهذا هو الواجب على كل عالم أعني أن يكون عاملًا بعلمه معلمًا له داعيًا إليه بقدر استطاعته، فالعلم مع العمل وتعليم التفقيه الوعظي الباعث على العمل هو هدي السلف ومذهبهم وطريقتهم وقليله خير من كثيره بالطريقة الجدلية الكلامية والمماحكات اللفظية، لهذا ساءني أن يبتلى بتأليف كتاب في العقائد الكلامية؛ لأنه يتعذر عليه أن يجمع فيه بين السنة التي يحبها ويعمل بها ويدعو إليها ويعتقد أنه متبع فيها للسلف، وبين نظريات المتكلمين وتأويلاتهم الجدلية التي تروج وتقبل عند كل من لم يكن واسع الاطلاع على آثار السلف.
(يُتْبَعُ)