فهرس الكتاب

الصفحة 10230 من 28557

هذا صنيع رجلٍ عامّي في مجال الأفكار أو أنه لا يزال يتسأل هل ثمة فكرٌ إسلامي أصلًا , والمقصود أن الاجتهاد لا بد منه في تمييز المبتدعات (التي الأصل فيها المنع) عن العادات (التي الأصل فيها الحل) وبه -أيضًا- ينكشفُ حال ما هو عادة تشوبها عبادة؛ وما هي عبادة تشوبها عادة فهي برزخٌ بينهما فتأخذ حقها ولا يُستطالُ على المخالف فيها؛ وكما أن الاجتهاد ضروري في تخليص السنن من لوثة البدع؛ فكذا هو في تلخيص الفكر من درن الضلال ولا يعني هذا هدم الفكر نفسه بل إنقاذه من الغرق في بحار الظلمات ولا يكون ذلك إلا بالتوغل في الفكر ذاته لنَميز الخبيثَ من الطيب بميزان المعقول والمنقول ....""

فلو أنصفت وتأملت في كل ما قدمت كتابته في هذه الصفحة لوجدتني لا أخالفك في شيء من هذا أبدا!

وان كنت أتعقب عليك عبارتك: بميزان المعقول والمنقول، فأجعلها:"بميزان المنقول والمعقول".. وهذا الترتيب ضرورة من ضرورات الدين أيها الأخ الكريم، لا أظنك تخالف فيها ان شاء الله.

وعموما فهون عليك يا مولانا، لا أحد في هذه الصفحة ولله الحمد يدعو الى هدم مطلق الفكر من حيث عمومه، ولا محاربة مطلق العقل من حيث كونه عقلا وأداة للتفكر والابداع، ولا يقول بهذا المعنى عاقل أصلا!

واما قولك:"لذا فالأسئلة قائمة: ماذا دهانا حتى صرنا كذلك , ولماذا لم تعمل فينا قيمُ الدين؛ وما الذي منعها عن أن تفعل فعلها فينا كما نهضت بأول هذه الأمة فسادوا الدنيا علمًا وحلمًا ورحمةً وعدلًا؛"

فهذا هو بيت القصيد والله! لنربي أنفسنا وأولادنا على ما تربى عليه سلفنا الكرام رضي الله عنهم، على الخضوع والتسليم لدين ربهم، وعلى التوحيد المحض .. فان سلمت قلوبهم وتلقوا الحق، استنارت بصائرهم وسهل عليهم بعد ذلك رد كل شبهة ودحض كل فرية وبدعة وكل فكر فاسد مفسد، وهذه هي دعوانا جميعا في هذا المكان ولله الحمد والمنة.

أما هذا السؤال:"وهل ظهور التيارات العلمانية هو تعبيرُ عن مَوات علماء الدين -إلا من رحم الله وقليلٌ ما هم- وعجزِهم عن استيعاب عصرهم وابتداع الحلول أو تأصيل النقل عن الآخرين."

فالجواب: كلا ليس كذلك!! بل ظهور العلمانية تاريخيا انما سببه ظلم وبغي كنيسة العصور الوسطى كما أظنك تعلم .. وما دخل الى هذه الأمة مثل هذه الكفر والزندقة في فهم مكان الدين من حياة الناس الا لما شاع الجهل الفاحش بينهم، وصار لهؤلاء العامة المفتونين بزبالة فكر الكفار مكانة وسلطة وتمكين على البلاد!! لماذا افتتن القوم بالشيوعية في أوجها وفشت في بلادنا أيما انتشار لما بزغ ظهورها؟ لأن أكثر أهل العلم في زمانها لم يكونوا يفهمونها ولا يفهمون أصولها ومنابعها، ولأنهم عجزوا عن"استيعاب عصرهم"؟؟ أبدا ليس كذلك! فالذي وفق في استيعاب عصره منهم لم يقدمه ولاة الأمر ولا سمعوا بكلامه ولا قبلوا بفتواه أصلا!! وما زال هؤلاء الحكام الا ما رحم الله يقدمون من يوافق هواهم ونحلتهم أيا كانت!! فما العلاقة بين حال اهل العلم من الاجتهاد والفهم وبين شيوع وظهور تلك التيارات التي تذكر؟؟؟

كلا والله ما ظهرت الا لغلبة الدهماء على السلطان وعلى منابر البث الفكري في العامة، وتغييبهم لأصوات أهل الحل والعقد والاجتهاد الصحيح عن ساحة العامة! هذا عصر آخر من عصور غلبة البدعة والضلالة قد شهدت الأمة في تاريخها مثله كثيرا، حتى في زمان الامام أحمد رحمه الله! فالمسألة مسألة من الذي بيده مقاليد الحكم والسلطان وبث الأفكار في الناس واظهارها ونشرها وتزيينها! والا فلو خضع ولي الأمر لأهل الحل والعقد والاجتهاد في أمر البلاد لما رأيت لتلك الحثالة من الأفكار الوبائية أي انتشار ولا ظهور في بلادنا! وهذه بلية ابتلينا بها بمعاصينا وبما كسبت أيدينا، وأهل الفضل والعلم من تبعتها براء ما استفرغوا وسعهم في نصح الناس، ولا حول ولا قوة الا بالله!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت