فهرس الكتاب

الصفحة 10335 من 28557

وبعد حرب يونيو 1967 اكتشفت النخب اليهودية الأمريكية إسرائيل التي توجه بنادقها في الاتجاه الذي يريدون، وارتقت النخب اليهودية لتقف في صدارة الممثلين في مسرحية الحرب البادرة، وهكذا تحولت إسرائيل إلى رصيد استراتيجي لليهود الأمريكيين وللولايات المتحدة أيضا، وهذا ما جعل المنظمات الأمريكية اليهودية التقليدية تكرس وقتها بعد حرب يونيو 1967م لترسيخ التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي، وزادت التغطية الصحفية لأخبار إسرائيل في (نيويورك تايمز) ، ولكن حين شعر البعض ـ ممن أطلقوا عليهم فيما بعد بالمستعربين ـ بأن ميل الولايات المتحدة كل الميل مع إسرائيل وتجاهل النخب العربية يضعف المصالح القومية للولايات المتحدة، كان البعض الآخر ينظر إلى حقيقة ما تفعله إسرائيل من احتلال لأجزاء من الأقطار العربية المجاورة، يلحق الضرر أيضا بإسرائيل ومصالحها، وأن أنصار إسرائيل في سياستها الاستعمارية هذه هم أنصار انحطاطها الخلقي ودمارها النهائي ـ على حد تعبير"نعوم تشومسكي"ـ ولكي يحمي اليهود رصيدهم الإستراتيجي أخذوا يتذكرون الهولوكوست وذلك في توقيت يعطي هذا التذكير تفسير آخر. لقد كان ذلك كله حين قامت حرب يونيو 1967 وشعرت إسرائيل بالخطر المحيق بها وبات خوفها من هولوكوست ثانية يؤرقها، وأعلن ديفيد بن جوريون أن (700) ألف يهودي يواجهون (17) مليون عربي توقعت الولايات المتحدة انتحارا يهوديًا جماعيًا وهولوكوستًا كاملًا في فلسطين، وتوقع جهاز الاستخبارات الأمريكية ( C.I.A) هزيمة يهودية في حال نشوب الحرب، ولكن إسرائيل في 1967 اكتسحت جيرانها العرب خلال أيام معدودة، وبعد أن قدمت إسرائيل عرضها الباهر لسيطرتها العسكرية التفتت إلى صناعة الهولوكست التي ازدهرت.

وحين نشبت معارك 1973 بين العرب وإسرائيل تفاقمت مخاوف اليهود الأمريكيين من تعرض إسرائيل للأخطار، ولذلك عادت الذاكرة الهولوكوستية للحياة.

وفي حقيقة الأمر أن بروز صناعة الهولوكوست إلى وسط الأحداث ليس ناجما عن نكسات إسرائيل في حرب 1973 وما عانته إسرائيل بعد الحرب من العزلة والنبذ، ولكن العرض العسكري المصري الباهر أقنع صناع القرار من النخب الأمريكية والإسرائيلية بأن تسوية دبلوماسية مع مصر ـ التي تتضمن عودة الأراضي المصرية التي سبق لإسرائيل الاستيلاء عليها في يونيو 1967 ـ صار محتمًا.

الهولوكوست والمصلحة اليهودية

وإذا عدنا مع الكاتب إلى مبررات تذكر إسرائيل للهولوكوست يبدو لنا أن النخب اليهودية الأمريكية لم تتذكر الهولوكوست النازية قبل يونيو 1967 إلا حين كانت نافعة لها سياسيا، فاستفادت إسرائيل من الهولوكوست النازية خلال محاكمة Aikhman ايخمان، وحين أثبتت الهولوكوست فائدتها عمدت الحركة اليهودية الأمريكية المنظمة إلى استغلالها كصناعة تدفع إسرائيل من خلالها النقد عن كيانها.

وباتت الهولوكوست الوتر الذي يعزفون عليه، وبقوا كذلك حتى عام 1967 حين لم يعد القس جيسي جاكسون قادرًا على احتمال تلك المعزوفة فقال:"إنه سئم وتعب من الاستماع إلى حديث الناس عن الهولوكوست". فهاجمته النخب الأمريكية اليهودية متذرعين بمناصرته للموقف الفلسطيني، وليس بسبب ملاحظاته المعادية للسامية، وبذلك تحولت صناعة الهولوكوست إلى سلاح أديديولوجي فعال.

وهكذا فإن تفعيل صناعة الهولوكوست لم ينجم من ضعف إسرائيل أو عزلتها، ولا الخوف من هولوكوست ثانية بعد حرب 1967، فمع حلول السبعينيات خفت وطأة معاداة السامية في الحياة الأمريكية. ومع ذلك قرع اليهود ناقوس الخطر محذرين من نزعة عداء للسامية جديدة، وتحولت حالة التخوف هذه إلى هيستريا مختلفة خدمت أهدافا متعددة للحركة اليهودية الأمريكية المنظمة.

والطريف أنه مع تحرك النخب اليهودية بعدوانية لحماية مصالحها الطبقية والآنية دمغت هذه النخب كل معرضة لسياساتها المحافظة الجديدة بتهمة العداء للسامية، وصارت الحالة إلى أنه كما تذكرت اليهودية المنظمة الهولوكوست حين بلغت القوة الإسرائيلية الذروة فإنها تذكرت الهولوكوست حين بلغت القوة اليهودية الذروة، وكما ألزم الإسرائيليون الذين دججتهم الولايات المتحدة بالسلاح ضد الفلسطينيين الجامحين حدهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت