فهرس الكتاب

الصفحة 10401 من 28557

وكان قد التفت قبل ذلك إلى دراسة الأساطير، فالتاريخ، والسيرة النبوية الطاهرة، ومما أعانه على النبوغ في كل فن من هذه الفنون، ذهن متوقد، وتفرغ، وحرص، وحب عظيم للعلم وتشاغل به.

ومما يؤكد ذلك -فضلًا عن الكلام الذي سقناه لابن القفطي وابن أبي أصيبعة ولمعاصره وزميله في الطلب موفق الدين البغدادي- قوله:» وكان بي من الشغف بهذه العلوم والعشق لها ما يلهيني عن المطعم والمشرب، إذا فكرت في بعضها، ... فخلوت بنفسي، في بيتٍ مدة، وحللت جميع تلك المسائل وشرحتها، ورددت على من أخطأ من واضعيها، وأظهرت أغلاط مصنفيها ... وأزريت على أقليدس في ترتيب أشكال كتابه، بحيث أمكنني إذا غيرت نظام أشكاله، أن أستغني عن عدة منها، لا يبقى إليها حاجة، بعد أن كان كتاب (إقليدس) معجزًا لسائر المهندسي، إذ لم يحدّثوا أنفسهم بتغيير نظام أشكاله، ولا بالاستغناء عن بعضها ... حصل على كل هذه العلوم وهو في السنة الثامنة عشرة من عمره.

ثم صنف، واتصلت تصانيفه منذ تلك السنة إلى أن وافاه الأجل،» وفتح الله علي كثيرًا مما ارتج على من سبقني من الحكماء المبرّزين «.

وكان له حظ وافر في صناعة الطب والصيدلة.

ومما قرأه من كتب التاريخ:» تاريخ الطبري «وتاريخ أبي على ابن مسكويه المسمى:» تجارب الأمم «.

ومن قراءة التاريخ تعرّف على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجهاده، وصبره، واحتماله، وعلمه، وحلمه، وسمو خلفه، وهجرته، وعرف سيرة صحابته، والغزوات، والانتصارات المعجزة، لقلة العدد والعُدد، من هنا انتبه حسه وقبله وعقله ووجدانه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ودرس من رسالته.

ثم كان له نصيب وافر من الفصاحة والبلاغة والتذوق الأدبي الرفيع ومن ثم التفت إلى معجزة القرآن الذي لا يباريه كتاب في هذا الباب، فعلم وتيقن من صحة إعجازه. ولقد انعكست ثقافته المتنوعة الواسعة في رصانته العلمية، وإحكام براهينه، وقوه جدله، وصحة لغته، وجزالة أسلوبه، وفخامة لفظه، يبرز هذا لو قارنّا كتابه:» إفحام اليهود «بما كتبه المهتهدي سعيد بن حسن الإسكندراني- الذي انتقل إلى الإسلام من اليهودية سنة 697 هـ، في كتابه المسمى:» مسالك النظر في نبوة سيد البشر «. [6]

كراهيته للتقليد والجمود

كان قد تجمع له فيض زاخر من المعرفة بالإسلام، وكان عقله وقلبه قد اطمأنا إلى صحة معجزة القرآن الكريم، ولأنه قد تربى حسه على المنطق، وتهذب خاطره على العلوم الرياضية والهندسية، وما تقتضيه من ضروب البرهنة، والتحقق من صحة الفروض تحققًا عقليًا، كان للعقل عنده دور عظيم جدًا ... ولم يكن للتقليد والجمود إلا حظ النفور والكراهية والمقت.

فراجَع نفسه في اختلاف الناس في الأديان والمذاهب ... وفكر وتدبر، وكان قد رسخ يقينه قبل ذلك بأن العقل حاكم، يجب تحكيمه على كليات أمور عالمنا هذا، إذْ لولا أن العقل أرشدنا إلى اتباع الأنبياء والرسل وتصديق المشايخ والسلف، لما صدقناهم في سائر ما تقليناه عنهم، يقول في ذلك ما نصه:» ... وعلمت أنه إذا كان أصل التمسك بالمذاهب الموروثة عن السلف، وأصل اتباع الأنبياء، مما أدى إليه العقل، فإن تحكيم العقل على كليات جميع ذلك واجب.

وإذا نحن حكمنا العقل على ما نقلناه عن الآباء والأجداد، علمنا أن النقل عن السلف، ليس يوجب العقلُ قبوله من غير امتحان لصحته، بل بمجرد كونه مأخوذًا عن السلف، لكن من أجل أنه يكون أمرًا ذا حقيقة في ذاته، والحجة موجودة بصحته.

فأما الأبوه والسلفية وحدهما: فليستا بحجة، إذ لو كانتا حجة، لكانتا -أيضًا- حجة لسائر الخصوم الكفار: كالنصارى، فإنهم نقلوا عن أسلافهم أن عيسى ابن الله، وأنه الرازق المانع الضار النافع. [7]

فإن كان تقليد الآباء والأسلاف، يدل على صحة ما نُقل عنهم، فإن ذلك يلزم منه الإقرار بصحة مقالة النصارى، ومقالة المجوس. [8]

ويوظف الإمام السموأل هذا الأصل العلمي المنهجي الثابت في مناقشة دعوى اليهود، وتفنيد مزاعمهم، ونقض تأسيسهم ويستخدمه بمهارة واقتدار يعكسان ثقافته الرياضية الهندسية والمنطقية.

دوره في مجادلة اليهود

لئن كان دور السموأل بارزًا في فضح يهود التلمود، لدى المسلمين وقراء العربية، كما سنذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى، فإنه ولا شك حلقة مهمة في سلسلة أخبار وحاخامات اليهود الذين خرجوا على اليهودية.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت