فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
2 -وقد استدل لهذا القول أيضًا بما روى سهل بن سعد ? «أن رسول الله ? التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله ? إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله ? رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله ?: «أما إنه من أهل النار» . فقال رجل من القوم: أنا صاحبه ... قال: فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه ... إلى أن قال رسول الله ?: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة» .
وجه الدلالة: أن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا رجحان هذا الرجل في أمر الجهاد، فلو كان قُتل لم يمتنع أن يشهدوا له بالشهادة، وقد ظهر منه أنه لم يقاتل لله وإنما قاتل غضبًا لقومه، فلا يطلق على كل مقتول في الجهاد أنه شهيد، لاحتمال أن يكون مثل هذا .
وبهذين الحديثين السابقين استدل البخاري -رحمه الله- على هذه المسألة، فترجم لهما بقوله: باب لا يقول: فلان شهيد .
وقد يستدل لهذا القول بما يلي:
1 -روى أبو هريرة ? حديث الغلام الذي كان يحط رحل رسول الله ? فجاءه سهم عائر فأصابه فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة. فقال رسول الله ?: «كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا ... » الحديث .
وجه الدلالة: أن الناس قالوا: هنيئًا له الجنة على ما اعتقدوا من أنه شهيد، إذ قتل في خدمة النبي ? ؛ فنفى النبي ? عنه ذلك لغلوله.
2 -أننا لو شهدنا لأحد بعينه أنه شهيد لزم من تلك الشهادة أن نشهد له بالجنة، وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة، فإن من عقيدتهم أن لا ننزل أحدًا معينًا من أهل القبلة جنة أو نارًا إلا من أخبر الصادق ? أنه من أهل الجنة، كالعشرة رضي الله عنهم، وغيرهم؛ لأن حقيقتهم باطنة، وما ماتوا عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين ونخاف على المسيئين . ومن كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك -أي الجنة- ولا نشهد له به، ولا نسيء به الظن .
3 -وفي حديث كعب بن عجرة ? عندما مرض وأتاه النبي ? فقال له: «أبشر يا كعب، فقالت: أمه: هنيئًا لك الجنة يا كعب. فقال النبي ?: من هذه المتألية على الله؟. قال: هي أمي يا رسول الله. قال: ما يدريك يا أم كعب؟ لعل كعبًا قال ما لا ينفعه، أو منع ما لا يغنيه» .
4 -وعندما توفي عثمان بن مظعون رضي الله عنه في بيت أم العلاء الأنصارية -رضي الله عنها- قالت: «رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي ?: وما يدريك أن الله قد أكرمه؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: أما هو فقد جاءه اليقين. والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يفعل بي. قلت فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا، وأحزنني ذلك. قالت: فنمت فأريت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ? فأخبرته، فقال: ذلك عمله .
5 -روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال: «تقولون في مغازيكم: قتل فلان شهيدًا، ومات فلان شهيدًا، ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله ?: من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد» .
وجه الدلالة: أنه نهى عن تعيين وصف واحد بعينه بأنه شهيد، وأن ذلك لا يجوز أن يقال إلا على سبيل الإجمال ، وكانت خطبته هذه في جمع من الصحابة رضي الله عنهم ولم يُعلم له مخالف.
6 -وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «إياكم أن تقولوا: مات فلان شهيدًا، أو: قتل فلان شهيدًا، فإن الرجل يقاتل ليغنم، ويقاتل ليذكر، ويقاتل ليرى مكانه ... » .
وعنه أيضًا رضي الله عنه قال: «إياكم والشهادات، فإن كنتم فاعلين فاشهدوا لسرية بعثهم رسول الله ? فأصيبوا، فنزل فيهم: أن بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» .
القول الثاني:
(يُتْبَعُ)