فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن الحركات الإرتجالية الثورية وردود الأفعال التهورية الإنقلابية وإن سخرت لنفسها شرط العصرية وحققت شرط الوعي و صدق الرغبة إلا أنها تفقد شرطًا مهمًا جدًا ألا وهو شرط خدمة المقاصد العليا للشريعة. ولهذا كان من أهمية شرط تحقيق مقاصد الشريعة أنه ينير وعي الشخص العادي ببصيرة الشريعة وعلمها لفهم مقاصدها العليا وهذا مفتقد هنا. ومن الأمثلة الواقعية على هذه الحركات الوعظ والإفتاء بغير علم والتفجير والتخريب والقتل وإهلاك الحرث والنسل بنية الجهاد وقمع الطاغوت وكذلك نشرالحزبية الدينية والتعصب للمذاهب والتقليد الأعمى والتصوف الممقوت وزرع جو من الخوف والرعب بين المسلمين والآمنين وقد حصل هذا بالفعل وإن زعم متبعوا هذا السبيل أنهم لم يقصدوا إلا الخير. وهذا صحيح لأن الله تعالى قال:"أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا"الآية. هذه هي المشكلة، رغبة صادقة وحماس متقد ولكن بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
نتيجة للحركة السابقة وكنوع من ردة الفعل لتصرفاتها ظهرت بعض الحركات العلمانية والتغريبية رافعة شعار الليبرالية ومستغلة الحدث للمناداة بمبدأ المساواة و الحرية، مهرولة لإنقاذ الأمة ممن يسمونهم"بالظلاميين". هذه الحركات العلمانية التغريبيبة وإن كانت عصرية وواعية و صادقة (على الأقل لخدمة أهدافها) فإنها لا تحقق المصالح العليا لأمة المسلمين كما قررها القرآن وبينتها السنة النبوية، بل كثيرًا ما تعمل هذه الحركات في الإتجاه المعاكس. والمفارقة هنا هو أن بعض هؤلاء التغريبيين قد تجاوز المرحلة التغريبية وترقى إلى مرتبة الإستشراق ميممًا حينئذٍ وجهه شطر العالم الإسلامي والعربي ليمقته بعبارات"تقززية"تطفح بنبرة نرجسية متعالية ومع ذلك يعتبر نفسه مصلحًا مشفقا وناصحًا رحيمًا وابنًا بارًا لأمته العظيمة! هذا من أعجب ما رأيت ومن أغرب ما سمعت. إن فقدان شرط السعي لتحقيق مقاصد الشريعة هنا يسلخ الأدوات الباقية من هويتها الإسلامية. بل لا أستبعد حرمانها من شرط الوعي لأنها حركات تبعية والتابع عطل شرط الوعي بالنفس ... التابع مقلد وليس واع إلا ان يكونوا واعين بتبعيتهم لغيرهم فهذه تركيبة عجيبة. إنها فئة لم تفهم مقاصد دينها العميقة واستنتجت لنفسها قاعدة سطحية مفادها:"كن غربيًا تكن متحضرًا"كما أختطت لنفسها منهج"كن مستغربًا تكن مستنيرًا"ومن الأمثلة الواقعية على هذه الحركات الدعوة المنفلتة إلى تغيير المناهج الدينية وإقفال حلقات تحفيظ القرآن وتحرير المرأة. وهذه العبارات التعميمية الإطلاقية"متكلفة وممثلة تمثيلًا مسرحيًا مبالغ فيه"theatrical and dramatized )) - إذا اضطررنا إلى استعمال مصطلحاتهم في التعبير - ليس فيها تشخيص دقيق ناصح خالص واضح محدد للشيء الذي يحتاج بالضبط إلى تغيير وإقفال وللمرأة التي تحتاج إلى تحرير. لا يفهم السامع من هذه العبارات إلا شيئاُ واحداُ:"المناهج الدينية"،"حلقات التحفيظ"،"المرأة"والسؤال:"أي منهج ديني وأي حلقة تحفيظ وأي مرأة؟" (عندما طرحت السؤال الأخير على أحدهم أجاب:"المقصود بالمرأة هنا المرأة السعودية!!"معتقدًا أنه بجوابه هذا قد خصص التعميم وقيد الإطلاق!!) . والعجيب أن لهم مناورات ينتقدون فيها الإعلام الغربي بأنه شوه صورة الإسلام ولم يفهم حقيقته وهم يمدونه كل يوم بالعبارات التي تجرئه لفعل ذلك: الصيحات لتغيير المناهج، وإقفال حلقات القرآن، و تحرير المرأة ... ماذا سيفهم كل من الإعلام والجمهور الغربي من هذه العبارات؟
أما الحركات العنصرية القبلية ووالثورات القومية فإنها وإن كانت صادقة الرغبة، فإنها حركات جاهلية وشعارات فارغة لا يعترف بها العقلاء في كل مكان وذلك لأنها لا تحقق شرط الوعي ولاشرط العصرية ولا تحقق المقاصد الشرعية للأمة (وإن كانت أحيانًا تسخر المعطيات العصرية لتحقيق أهدافها البالية فإن العبرة بالمقصد والوسائل لها أحكام المقاصد) . إنها غير واعية لأن تفكيرها محلي وأقليمي وغير عصرية لأنه لا فرق بين عربي و أعجمي ولا أبيض ولا أسود ولاتحقق مقاصد الشريعة لأنها تفرق المسلمين وتثير الأحقاد والظغائن ولذلك فلا يميز هذه الحركة إلا الصدق ولكنه صدق اسمه الحمية الجاهلية. ومن الأمثلة الواقعية على مثل هذه الرحكات: تقديس رابطة العروبة وإجلال الإنتماءات القبلية والتفاخر
(يُتْبَعُ)