فهرس الكتاب

الصفحة 10699 من 28557

اعلم أن التوحيد ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الصفات، فتوحيد الربوبية أن لا خالق ولا رازق، ولا محيي ولا مميت، ولا موجد ولا معدم إلا الله تعالى، وتوحيد الإلهية إفراده - تعالى - بالعبادة، والتأله له، والخضوع والذل، والحب والافتقار، والتوجه إليه - تعالى، وتوحيد الصفات أن يوصف الله - تعالى - بما وصف به نفسه، وبما وصفه به نبيه - صلى الله عليه وسلم - نفيا وإثباتا، فيثبت له ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه. وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأثبتها إثبات ما أثبته من الصفات، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع ما أثبته من الصفات من غير إلحاد في الأسماء ولا في الآيات، فإنه - تعالى - ذم الملحدين في أسمائه وآياته، فقال: (سورة الأعراف الآية 180 وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، وقال - تعالى: (سورة فصلت الآية 40 إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فطريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات بها، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، كما قال - تعالى: (سورة الشورى الآية 11 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، والله - سبحانه وتعالى - بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتعطيل. فالإثبات المفصل من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله - تعالى: (سورة البقرة الآية 255 اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) الآية، وقوله: (سورة الإخلاص الآية 1 قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) السورة، (سورة التحريم الآية 2 وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) ، (سورة الروم الآية 54 وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) ، (سورة الشورى الآية 11 وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، (سورة إبراهيم الآية 4 وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، (سورة يونس الآية 107 وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ، (سورة البقرة الآية 29 وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، (سورة الحديد الآية 4 الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، وقوله: (سورة المائدة الآية 119 رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) ، (سورة محمد الآية 28 اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) ، (سورة النساء الآية 93 وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) ، (سورة النساء الآية 164 وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) ، (سورة مريم الآية 52 وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) ، (سورة القصص الآية 62 وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ) ، (سورة يس الآية 82 إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، (سورة الأعراف الآية 156 وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) . . . إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسماء الرب - سبحانه وتعالى - وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل. فهذه طريقة الرسل - صلوات الله عليهم أجمعين، بخلاف من حاد وزاغ عن سبيلهم من الكفار والمشركين، ومن ضاهى هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة، والقرامطة والجهمية، والباطنية والملحدين، فهم على الضد من ذلك، فيصفون الله - سبحانه - بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون له إلا وجودا مطلقا، لا حقيقة له عند التأمل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان لا في الأعيان، فقولهم يستلزم التعطيل والتمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات المقدسة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.) اهـ

و الإمام الشوكاني قرر التقسيم في تفسيره فتح القدير فمن ذلك قوله في تفسير سورة الناس:

{إله الناس} هو أيضًا عطف بيان كالذي قبله لبيان أن ربوبيته وملكه قد انضمّ إليهما المعبودية المؤسسة على الألوهية المقتضية للقدرة التامة على التصرف الكلي بالاتحاد والإعدام) اهـ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت