فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أبو جهاد] ــــــــ [13 - Sep-2008, مساء 10:56] ـ
من موقع الشيخ حامد العلي - حفظه الله:
السؤال: فضيلة الشيخ، سمعنا الضجة الإعلامية على فتوى سماحة الشيخ اللحيدان، بقتل المفسدين، فما هو تعليقكم على هذه الضجة، وما حقيقة الأمر؟!
جواب الشيخ:
الحمد لله، والصلاة والسلام، على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
فإنّه من الواضح من نص الفتوى ـ وقد ركَّزت على التحذير من الإفساد الإعلامي بنشر الرذيلة، وإفشاء الإنحطاط الأخلاقي ـ أنها كانت في سياق ما هو من سلطة الحاكم في الشريعة الإسلامية، من أحكام التعزير الرادع للفساد في الأرض.
وما ذُكر فيها مشهورٌ، مذكورُ في كتب الفقه من المذاهب الأربعة، ومعهود في باب القضاء في الشريعة الإسلامية.
غير أنَّ وراء الإثارة الإعلامية المبالغ فيها، التيار العلماني المدعوم غربيّا، الذي يتخذ من وسائل الإعلام وسيلة لتشويه صورة الإسلام، وإسقاط أحكام الشريعة، ونشر التغريب، والإفساد الأخلاقي، في سياق مخطط شامل يستهدف الإسلام، تقف وراءه إدارات غربية، تعمل في بلادنا، بواسطة مؤسسات ثقافية، وإعلامية، ومراكز بحثية عديدة في العالم الإسلامي.
والعجيب من أمر هؤلاء المستغربين أنهم يطِّبلون لما تفعله أمريكا من الغزو، والدمار، والقتل، وتخريب البلاد، وإهلاك العباد، من باب محاربة ما يسمون: (فساد الإرهاب) !، وهي تفعل ذلك من غير أحكام قضائية، ولا سلطات دولية، وإنما بمحض الطغيان بالقوّة، وهي تقتل حتى بالشبهة، وتقصف المدن، والقرى، فتهدم المنازل، فتهلك الأبرياء من الأطفال، والنساء، وغيرهم، في طريقها، فلا ينكرون عليها هذا الإهلاك للحرث، والنسل!
بينما جاءوا يعظمون الشَّنعة على فتوى عابرة، بأنَّ من حق السلطة الحاكمة، التعزير بالقتل لمن لم يمكن ردع فساده إلاَّ بذلك!
ودع الذين إذا أتوْك تنسَّكوا ** وإذا خلوْا فهم ذئاب خرافِ
وأما أصل ما ذُكر في الفتوى، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بعد أن نقل عن طائفة من العلماء من الشافعية، و الحنابلة، ومنهم المالكية، أنَّه يجوز للحاكم قتل المفسد في الأرض إذا لم يمكن قطع دابر فساده إلاّ بالقتل، قال:
(كَّمَا جَوَّزَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ قَتْلَ الْقَدَرِيَّةِ لأجْلِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ؛ لا لأَجْلِ الرِّدَّةِ؛ وَكَذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِي قَتْلِ السَّاحِرِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ.
وَقَدْ رُوِيَ (عَنْ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا: إنَّ حَدَّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَحَفْصَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَتْلُهُ. فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لأجْلِ الْكُفْرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لأجْلِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، لَكِنَّ جُمْهُورَ هَؤُلاءِ يَرَوْنَ قَتْلَهُ حَدًّا.
وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعَزَّرُ بِالْقَتْلِ فِيمَا تَكَرَّرَ مِنْ الْجَرَائِمِ، إذَا كَانَ جِنْسُهُ يُوجِبُ الْقَتْلَ كَمَا يُقْتَلُ مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ اللِّوَاطُ، أَوْ اغْتِيَالُ النُّفُوسِ لأَخْذِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ مَتَى لَمْ يَنْقَطِعْ شَرُّهُ إلأّ بِقَتْلِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ عرفجة الأشجعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:(مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ) .
وَفِي رِوَايَةٍ: (سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ) .
وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَالُ فِي أَمْرِهِ بِقَتْلِ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ؛ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ:(عَنْ دَيْلَمَ الْحِمْيَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّا بِأَرْضِ نُعَالِجُ بِهَا عَمَلًا شَدِيدًا، وإنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا مِنْ الْقَمْحِ نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلادِنَا. فَقَالَ: هَلْ يُسْكِرُ؟ قُلْت نَعَمْ. قَالَ: فَاجْتَنِبُوهُ. قُلْت إنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُوهُ فَاقْتُلُوهُمْ.
وَهَذَا لأنَّ الْمُفْسِدَ كَالصَّائِلِ. فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ الصَّائِلُ إلاّ بِالْقَتْلِ قُتِلَ.
وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ، جَزَاءٌ بِمَا كَسَبَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ، كَجَلْدِ الشَّارِبِ، وَالْقَاذِفِ، وَقَطْعِ الْمُحَارِبِ، وَالسَّارِقِ.
وَ الثَّانِي: الْعُقُوبَةُ لِتَأْدِيَةِ حَقٍّ وَاجِبٍ، وَتَرْكِ مُحَرَّمٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ حَتَّى يُسْلِمَ فَإِنْ تَابَ؛ وَإلاَ قُتِلَ.
وَكَمَا يُعَاقَبُ تَارِكُ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى يُؤَدُّوهَا. فَالتَّعْزِيرُ فِي هَذَا الضَّرْبِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ)أ. هـ من مجموع الفتاوى
ومن الجلي أنَّ ما ذكره العلماء في هذا الباب، إنما يقع ضمن إختصاص السلطة، وليس من باب واجب الأفراد.
والله أعلم
(يُتْبَعُ)