أهم شرط من شروط الضرورة الشرعية غير متحقق فيه أصلًا، وهو: الاستيقان بعدم اندفاع الضرر إلا بذلك الفعل المحرم.
فمن أوشك على الهلاك ووجد خمرًا، واستيقن أنه سبب نجاته لا محالة، فله أن يشربه مضطرًا.
فهل هذه هي الحال كذلك يا شيخ؟؟؟ هل استيقن هؤلاء الصحابة - رضي الله عنه - بهلاك هؤلاء الطواغيت إن هم نطقوا بالكفر - على حد زعمك -؟؟ أم أن رجاءهم في ذلك لم يصل إلى حد اليقين، وكانوا في سعة كبيرة من الأمر قبل أن يلجأوا إلى هذا القول الكفري - على حد زعم الشيخ -؟؟
يقول الشيخ:
(( ومن الأدلة كذلك: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لنعيم بن مسعود أن يخذل عن المسلمين يوم وقعة الأحزاب .. وكان مما قاله نعيم بن مسعود لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم، وفراقي محمدًا، وإنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقًا أن أبلغكموه نصحًا لكم فاكتموه عني ...
فإن قيل هذه المقولة:"قد عرفتم ودي لكم، وفراقي محمدًا .."لا تفيد الكفر، أقول: إن مجرد الجلوس والإقامة في مجالس الكفر والاستهزاء والطعن، والحرب على الله ورسوله .. من غير إنكار ولا قيام هو كفر، لقوله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيرِه إنكم إذًا مثلهم} النساء:140. أي إن أبيتم إلا الجلوس معهم من غير إنكار فأنتم مثلهم في الكفر ..
فكيف والصحابي - رضي الله عنه - قد ضم إلى جلوسه في مجالس الكفر والحرب على الله ورسوله، مقولته الآنفة الذكر. لاشك أن هذا من الكفر البواح لا شك فيه. )) اهـ
أولًا: هذه المقولة لا تفيد الكفر ..
فقد قال الصحابي - رضي الله عنه:"قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدًا".. وهذا حق ..
فهو يخاطب الكافرين مذكرًا إياهم بوده السابق لهم، وحربه للرسول - صلى الله عليه وسلم - سابقًا ..
فأين الكفر يا شيخ؟؟
هل قال نعيم بن مسعود - رضي الله عنه - عن نفسه أنه مواد للكافرين محارب للمسلمين الآن؟؟ أم جاء ذلك في صيغة المخاطبة والتذكير بأمر مضى؟؟؟
الله المستعان ..
ـ [أبو شعيب] ــــــــ [12 - Apr-2009, صباحًا 06:25] ـ
والبحث أطول من ذلك، ولكن أكتفي عند هذا ..
أخي (الإمام الدهلوي) تقول:
قلت: هذه بعض أدلتهم التي تمسكوا بها، وبعضها كما تروا ليس بالقوي في دلالته، ولهم أدلة أخرى منها: قصة فيروز الديلمي مع الأسود العنسي، ومنها ما يقوله الفقهاء في جواز لبس الزنار والتشبه بالكفار في حال الحرب، ومنها قولهم أن هذا وقع في زمن علماء السلف ولم يقولوا بأنه كفر مجرد كما فعل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
وهل فيروز الديلمي نطق كفرًا - حاشاه -؟ .. أما لبس الزنار، فاعلم أنه صورة كفر، وليس كفرًا حقيقة .. وهو كمسألتنا هنا في السجود قدّام الصنم موهمًا أنه سجود للصنم .. لذلك اختلف العلماء في لبسه، فطائفة قالت بأنه كفر، وطائفة قالت بأنه إثم .. والصواب التفصيل في ذلك، بأن يُقال: إن لبسه تعظيمًا لدينهم ومحبة له، فهو كافر .. وإن لبسه مع بغضه لدينهم، لغرض شرعي تبيحه الضرورة، فليس كفرًا.
كذلك الحال في لبس الصليب .. وأنت تعلم أن هناك فرق بين الصليب وبين التصليب .. ولو كان كل خطين متقاطعين صليبًا، لكفر بذلك خلق كثير، ولكن العلماء فرّقوا بين الاثنين.
ولا فرق بين أن تحمل الصليب في يدك (ولم يقل أحد أنه كفر) ، وبين أن تحمله في عنقك لنفس النية ..
ولكن بما أن تعليقه في العنق يوحي بتعظيم دين المشركين، فصاحبه إن لم يُظهر نية غير هذه، فهو محكوم عليه بالكفر ظاهرًا، وباطنًا أمره إلى الله.
هذا، والله أعلم.