فهرس الكتاب

الصفحة 1091 من 28557

ولهذا كان يقول في مدارج السالكين وهو يرد على الهروي: (شيخ الإسلام ـ يقصد الهروي ـ حبيبٌ إلينا،والحق أحب إلينا منه، وكلّ من عدا المعصوم، فمأخوذ من قوله ومتروك) .

الثانية: أن أهل الجهاد شأنهم شأن غيرهم، قد يصيبهم ما يصيب المتنافسين على أمرٍ جامع ـ وإن كان من الحقّ ـ التشاحّ، والتحاسد، والأثرة، وحبّ الرئاسة، كما هو حال كثير من الدعاة، والحركات الإسلامية، وقد يخفى بعض ذلك على من يحمله،

كما قال شيخ الإسلام: (و أيضا مما يبين أن الإنسان قد يخفى عليه كثير من أحوال نفسه فلا يشعر بها، أن كثيرا من الناس يكون في نفسه حب الرياسة،كامنٌ لا يشعر به، بل إنه مخلص في عبادته، و قد خفيت عليه عيوبه، وكلام الناس في هذا كثير مشهور، و لهذا سميت هذه الشهوة الخفية، قال شداد بن أوس: يا بقايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء، و لشهوة الخفية، قيل لأبي داود السجستاني ما الشهوة الخفية قال حب الرياسة فهي خفية تخفى على الناس، و كثيرا ما تخفى على صاحبها)

ولهذا قد يشقّ عليهم قبول الحقّ إن خالف ماهم عليه،

قال شيخ الإسلام: (طالب الرئاسة ترضيه الكلمة التى فيها تعظيمه، وإن كانت باطلا، وتغضبه الكلمة التى فيها ذمه، وإن كانت حقا، والمؤمن ترضيه كلمة الحق له، وعليه، وتغضبه كلمة الباطل له، وعليه، لأن الله تعالى يحب الحق، والصدق، والعدل،ويبغض الكذب،والظلم) .

وقد يحملهم ذلك على إيذاء من ييبيّن خطأهم، والعدوان عليه، فهم بشر، وكلّ ابن آدم خطّاء، فيعتريهم ما يعتري البشر من نزعات الشيطان، وأهواء النفوس، وإذا كان هذا لم يُعصم منه حتى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يُعصم غيرهم منه؟!

غير أنّ هذا كلّه، لايجوز أن يصدّ القائم بالحق، القائل بالشريعة، من الصدع بها، على الوجه الذي تركها عليه نبيّنا صلى الله عليه وسلم، من غير تبديل، ولاتحريف، فهذا الواجب هو أعظم واجبات الدين، وأنفع خير للمسلمين، بل للناس أجمعين،

ذلك أنّ الإحداث في الدين من أعظم الجنايات، وإبطاله من أعظم الواجبات المتحتّمات، فلا يحابي فيه أحدٌ كائنا من كان.

وعلى القائم بهذا الواجب، أن يتحمّل أذى الناس صابرا محتسبا، ويستغفر لهم إن كانوا صالحين متأوّلين، ويدعو لهم بالهداية، والبصيرة، فهذا واجب أهل العلم ورسالتهم، لايبتغون من الناس جزاء، ولاشكورا.

ومعلومٌ أنه قد يقع بين أهل الجهاد، بسبب نزع الشيطان، والجهل، و الهوى، إذا أُهملت أخطاؤُهم، ولم تُقوَّم، ما هو أعظم، فتسفك الدماء،

لاسيما إن أنضم إلى الهوى الخفيّ، فسادٌ في العلم، تظنُّ معه كل طائفة أنها وحدها على الحقّ الذي لايجوز الخروج عليه، فتنزل الآخرين منزلة البغاة، فإن أصابتهم مع ذلك لوثة الغلوّ، جعلوا مخالفيهم مرتدين!

وقد يستحكم هذا الظنّ الخاطئ، فيولّد في النفس خداعا يثمر اعتقادا بالإختصاص بالمهدي المنتظر! ثم يحدث بسبب ذلك من العدوان، والبغي، والفساد في الحال، والمآل، ما يفرح الشيطان، ويحزن أهل الإيمان، ويذهب بعض ثمرات جهاد السنان.

ولاريب أن الشيطان إذا أيس من إظهار الكافرين على المؤمنين، سعى إلى التحريش بين المؤمنين، وقد يجد في ذلك متَّسعا، إن وجد له في الآذان مسمعا، فيسلك فيه طريقا موسّعا.

ولهذا وجب التنبيه على الزلل، والتحذير من الخطل، في طريق الجهاد، ليتجنّبه المخلصون، ولتسلم ثمرات الجهاد مما يعكّرها، وهو من النصح الواجب بذله، فالدين النصيحة، والمفروض على من المنصوح له قبولها.

وقد ذكرنا في مواضع كثيرة، أن مشروع الجهاد الإسلامي العالمي، ليس هو مشروع خاصّ بطائفة ما، ولا هو حكر على جماعة ما، بل على جميع القيادات القائمة عليه، أن يعُوا حقّ الوعي، أنه مشروع أمّة الإسلام، وهي أمّة في طريقها إلى النهوض الشامل، ولايمكن لأيّ طائفة مهما عظمت تضحياتها، أن تنهض لوحدها بالأمّة، مستأثرة بنفسها، مستبدّة برأيها، ملغية لجهاد من سواها، سواء جهاد السنان، أو اللسان،

فهذه الروح الإحتكاريّة، التمزيقيّة، من السهل أن تجمع لها الأنصار، وتجنّد لها الأتباع، فالناس ـ لاسيما الأحداث في السن أو العلم ـ جُبلوا على التعصّب للإنتماء، والشغف بالتميز على الآخرين به،

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت