فكيف يصير مكانه دار حرب وهم يجعلون الموطن الذي صار دار إسلام لا يمكن أن يتحول إلى دار حرب مطلقًا؟ ولكن يمكن أن يقال إن الماوردي يرى انقلاب دار الإسلام دارَ حرب كما نقلته عنه قريبًا في حق طرسوس وعليه فلا يلزمه التناقض، إلا أن الشربيني - وهو من القائلين بعدم تغير صفة الدار - قد نقل كلام الماوردي هذا وأقره وجعله استثناء عن استحباب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فقال: (تنبيه: محل استحبابها - أي الهجرة - ما لم يرجُ ظهور الإسلام هناك بمقامه، فإن رجاه فالأفضل أن يقيم، ولو قدر على الامتناع بدار الحرب والاعتزال وجب عليه المقام بها، لأن موضعه دار إسلام فلو هاجر لصار دار حرب فيحرم ذلك) إهـ
إلا أن بعض علماء الشافعية تنبه لهذا الأمر وشعر باحتمال تطرق التناقض لهذا التقرير فتحاشى ذلك وجعل لها تخريجًا وسماها دار إسلام صورة لا حكمًا، قال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:(تنبيه"يؤخذ من قولهم: لأن محله دار إسلام أن كل محل قدر أهله فيه على الامتناع من الحربيين صار دار إسلام، وحينئذ الظاهر أنه يتعذر عوده دار كفر وإن استولوا عليه كما صرح به الخبر الصحيح:"الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"، فقولهم لصار دار حرب المراد به صيرورته كذلك"صورة لا حكما"وإلا لزم أن ما استولوا عليه من دار الإسلام يصير دار حرب، ولا أظن أصحابنا يسمحون بذلك ... ثم رأيت الرافعي وغيره ذكروا نقلًا عن الأصحاب أن دار الإسلام ثلاثة أقسام: قسم يسكنه المسلمون، وقسم فتحوه وأقروا أهله عليه بجزية ملكوه أو لا، وقسم كانوا يسكنونه ثم غلب عليه الكفار."
قال الرافعي وعدهم القسم الثاني يبين أنه يكفي في كونها دار إسلام كونها تحت استيلاء الإمام وإن لم يكن فيها مسلم قال: وأما عدهم الثالث فقد يوجد في كلامهم ما يشعر بأن الاستيلاء القديم يكفي لاستمرار الحكم، ورأيت لبعض المتأخرين أن محله إذا لم يمنعوا المسلمين منها وإلا فهي دار كفر انتهى.
وما ذكره عن بعض المتأخرين بعيد نقلًا ومدركًا كما هو واضح، وحينئذ فكلامهم صريح فيما ذكرته أن ما حكم بأنه دار إسلام لا يصير بعد ذلك دار كفر مطلقًا) إهـ
وقال الرملي -رحمه الله-:(واعلم أنه يؤخذ من قولهم: لأن محله دار الإسلام أن كل محل قدر أهله فيه على الامتناع من الحربيين صار دار إسلام، وحينئذ فيتجه تعذر عوده دار كفر وإن استولوا عليه كما صرح به في خبر:"الإسلام يعلو ولا يعلى عليه".
فقولهم لصار دار حرب المراد به صيرورته كذلك"صورة لا حكمًا"، وإلا لزم أن ما استولوا عليه من دار الإسلام يصير دار حرب وهو بعيد) إهـ
وقال العجلي أيضًا: (وقوله فيحرم أن يصيره باعتزاله عنه دار حرب أي:"صورة لا حكما"إذ ما حكم بأنه دار إسلام لا يصير بعد ذلك دار كفر مطلقًا) إهـ.
واما مذهب أبو حنيفة -رحمه الله- فهو لا يحكم على الدار بأنها دار كفر ما لم تتوفر فيها شروط ثلاثة، أولها: علو أحكام الكفر عليها، ثانيها: أن تلتصق بدار الحرب من كل جهة، ثالثها: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنا بأمنه الأول، أما صاحباه فيجعلان الدار دار كفر بمجرد علو أحكام الكفر وغلبة الكافرين عليها وقد قال السرخسي الحنفي مبينا وجه كلا القولين: (وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا أظهروا أحكام الشرك فيها - أي في الدار التي غلبوا عليها - فقد صارت دارهم دار حرب لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة، فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الإسلام فالقوة فيه للمسلمين، ولكن أبو حنيفة -رحمه الله- تعالى يعتبر تمام القهر والقوة، لأن هذه البلدة كانت من دار الإسلام محرزة للمسلمين، فلا يبطل ذلك الإحراز إلا بتمام القهر من المشركين، وذلك باستجماع الشرائط الثلاث، لأنها إذا لم تكن متصلة بالشرك فأهلها مقهورون بإحاطة المسلمين بهم من جانب، فكذلك إن بقي فيها مسلم أو ذمي آمن، فذلك دليل عدم تمام القهر منهم، ثم ما بقي شيء من آثار الأصل فالحكم له دون العارض كالمحلة إذا بقي فيها واحد من أصحاب الخطة فالحكم له دون السكان والمشترين، وهذه الدار كانت دار إسلام في الأصل، فإذا بقي فيها مسلم أو ذمي فقد بقي أثر من آثار الأصل فبقي ذلك
(يُتْبَعُ)