بل لن نجد عناءً في النظر - اطلاعًا وبحثًا أو معايشة واستقراء - لنعرف التناقص البين في دور العالم بين أوائل هذا العصر والوقت الحالي.
(الطبقة الأولى من العلماء التي واكبت نشأة الدولة الثالثة، حافظت إلى حدٍ ما على الدور شبه الشمولي للعالم في تاريخ البلد، فعلى سبيل المثال كان دور العلامة محمد بن إبراهيم يتجاوز بعده العلمي والقضائي المتعارف عليه إلى السياسي والاجتماعي في كثير من المواقف ..
لكننا نجد أن الطبقة الثانية من العلماء، والتي ضمت الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ محمد ابن عثيمين، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ حمود التويجري، وغيرهم _رحمهم الله جميعًا_ نجدها تستمر في أداء دور الإفتاء والقضاء، ولكن من خلال مؤسساته المؤطّرة باللوائح والنظم الرسمية، التي تبلورت في تلك المرحلة مما جعل دورها وتأثيرها الأوسع محكومًا بالقواعد التي تهيمن على العلاقات بين الأجهزة المختلفة في الدولة، ولأنها لم تشأ أن تصطدم بهذه الأطر التنظيمية، فلقد حاولت وسعها الاستمرار بدورها الأوسع من خلال هذه الأطر ..
ولقد نشأ تبعًا لذلك الدور العلمي طبقة ثالثة واسعة من العلماء وطلبة العلم الذين تعددت تخصصاتهم واهتماماتهم ومسؤولياتهم، وهم الذين يعاصرون الآن المرحلة الحالية الحرجة من تاريخ البلد , ... ولغرض الإجمال يمكننا حصر هذا التنوع في اتجاهين بارزين، الأول: اختار العمل من داخل المؤسسات الرسمية حفاظًا على تماسك البناء ولو كان في ذلك تقليصًا للدور والمكانة العلمية، والآخر لم يجابه الأوضاع الرسمية، لكنه أيضًا لم يعمل من خلالها؛ لأنه رأى في استقلالية المرجعية العلمية ومحافظتها على دورها العلمي الحر المعروف من مثلها شرعيًا وتاريخيًا، وفي تحررها من المظلة الرسمية، ما يكون أسلم لها وللجهات الرسمية، وأدعى لبقاء أثرها التوجيهي الاجتماعي التربوي العام، واستمرار تأثيرها السياسي والاقتصادي والفكري الثقافي، متحركةً في ذلك من منطلق الاحتساب العام المنضبط بضابط الشرع القويم .. ).
العلماء المستقلون والمرحلة القادمة / د. أحمد العمير / موقع المسلم 20/ 10/1424
والآن فنحن لا ننكر قوة تأثير العوامل والظروف الأخرى من التحولات والظروف السياسية وتأثير الباغين , ولكن ليس معناه أن يصبح"الوضع القائم"هو"الفقه المتداول"في دور العالم ,وحجب الدور الحقيقي لـ (العالم \ ولي الأمر) تطبيقًا وتنظيرًا من السياسة الشرعية.
وأصبح الرأي الأخر حول مسؤولية العالم في الاحتساب السياسي والمنكرات العامة، وقول الحق في كل القضايا , والتحرك العملي للإصلاح , وقيادة الرأي العام .. , أصبح محظورًا في كتب السياسة الشرعية وفي التدريس الشرعي. وعمليًا فقد قُرِّرت مبادئ ثابتة؛ تحت لافتة عريضة جدًا عنوانها"عدم إثارة الفتنة", يؤصلها العلماء وينتقدون من خالفها , حتى يصبح الخطر أن تألف ذلك الأجيال وتظن أن هذا هو النطق الوحيد.
[2] الحكام:
منذ أن انفصل السلطان عن القرآن دأب السلاطين على مدافعة وإزاحة العلماء وإن تفاوت الفعل.
وفي حقبة الاستعمار تجلى ذلك كثيرًا ,إذ دأبت جحافل الاستعمار على استنبات أذناب لهم ليحكموا بسياستهم , وبالتأكيد فلا بد أن تكون مصالح بقائهم مناقضة لمنهج إصلاح العلماء , فتمرسوا في العداء للعلماء بشتى الصور, وراوحوا في هذا العصر بين أساليب مختلفة حسب الملائم:
-فمن التنكيل والبطش؛ إلى سياسة استبعادهم من التأثير والاستفادة منهم أحيانًا في إسباغ المشروعية أمام الجماهير , أو الاستناد على المشروعية الإسلامية في الحكم مع التقليص الممنهج للدور الإصلاحي للعلماء.
ودعمت حالة الانتقاص هذه , أحداث وتغيرات من أبرزها:
-أحداث الخليج.
-وفاة عدد من العلماء المؤثرين.
-أحداث سبتمبر وما تبعها من ضغوط.
• وعمليا فقد تعامل الحكام بطريقة ممنهجة مع مواقف العلماء وتحركاتهم عن طريق: رد فعل ملائم لكل فعل من محاولات التغيير والاحتساب:
-من الإيقاف إلى السجن، إلى الاستدراج إلى ترسيم المناصب الشرعية , إلى تسخير شريحة من المحسوبين على أهل العلم وغيرها ..
حتى تبرمج العلماء في الأغلب على السياسة المطلوبة، وأصبح البعض يرى الخطوط الحمراء أقرب من موضعها بكثير.
(يُتْبَعُ)