فهرس الكتاب

الصفحة 11197 من 28557

2 -لو أنهم رأوا الهلال بالمراصد ثم خرج أهل الحساب وقالوا هذا مستحيل لأن الحسابات تؤكد استحالة مولده في هذا اليوم، فانهم يقررون أنه لم تثبت الرؤية، وهذه الصورة اختلف فيها الفقهاء المعاصرون وكثير منهم يرى جواز اعتبار الحساب في النفي وليس في الاثبات (وان كنت لا أرى ذلك، والله أعلم) .. فحينئذ ان قالوا أن الرؤية لم تثبت وأن اليوم التالي هو المتمم، فهم صادقون عند بعض أهل العلم وكاذبون عند بعضهم ..

3 -الاحتمال الثالث، أن لا يروا الهلال في المراصد مع أن الحسابات تدل على أنه يجب أن يظهر في تلك الليلة لأنها موعد مولده فلكيا .. وحينئذ ان قالوا أن الرؤية ثبتت، فهذا ما أراه كذبا منهم ولا يجوز، وهم فيه متأولون يعتمدون على قول شاذ ضعيف يرى اعتبار الحساب الفلكي في النفي والاثبات على السواء.

والسؤال الآن .. ماذا يفعل المسلمون في مصر؟ اذا خرج أهل دار الافتاء وقالوا لهم"ثبتت الرؤية فصوموا".. هل يصومون؟ أم أن الشرع يكلفهم بالنظر والبحث في تفاصيل ما وقع في كل سنة في دار الافتاء وفي المراصد حتى يروا ان كان القوم قد صدقوا حقا في قولهم أن الرؤية قد ثبتت عندهم أم أنهم كاذبون يقدمون الحساب فيما لا مساغ لتقديمه فيه؟؟ أقول أن الناظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم يرى أن الشارع لم يكلفنا كأهل بلد من بلاد المسلمين بتحري ذلك الأمر قبل العمل بتلك الرؤية الصادرة عمن أسند اليه هذا الأمر في البلاد! والرسول عليه السلام لما جاءه أعرابي يقول له أنه رأى الهلال، فانه لم يزد على أن سأله أتشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، فشهد، فقبل منه وأمر الناس بالصيام، فصاموا .. فدل ذلك على أننا لسنا مكلفين بالتحري خلف الشاهد الذي يقول أنه رأى الهلال لنعلم أصدق أم كان كاذبا! والنبي لم يأمر أحدا من الصحابة المقربين اليه يومئذ بأن يخرج الى الصحراء أو يقف على أعلى الجبل لينظر ويتحقق بنفسه هل صدق ذلك الأعرابي أم لم يصدق في دعواه! وكلام بعض أهل العلم في اشتراط العدالة بناءا على حديث أمير مكة، لا دلالة فيه على أن العدالة هنا المراد فيها التحري عن الرجل على نحو ما يكون في شرط الشاهد وفي شرط راو الحديث، لأن ذلك الشرط لم يثبت في أي نص من نصوص الباب، وانما العدالة هنا المراد بها البراءة التي هي الأصل في المسلمين!

ومع ذلك يرد هذا السؤال، ألم يكن من المحتمل أن يكذب الشاهد ويقول رأيت الهلال ولم يره، ويأمر الامام الناس بالصوم على قوله هذا، مع أنه كان كاذبا في حقيقة الأمر؟ بلى! فما حكم صيامهم حينئذ؟ هل صيامهم هذا باطل؟ لو أن هناك قرائن تدل على استحالة أن يكون الهلال قد ولد في ذلك اليوم (كأن يكون لم يزل باقيا على نهاية رمضان يومان أو ثلاثة بالعدد مثلا، وهذا ما عليه استند القائلون باعتبار الحساب في النفي لا في الاثبات) فانه لا يحل للامام أن يأمر الناس بالصيام بناءا على ذلك لأنه شهد بشيء مستحيل! .. ولكن عند انتفاء القرائن التي قد ترجح كذبه، أو تمنع من قبول شهادته تلك، فما الحكم؟ الحكم أنه يأمر الناس بالصيام، وان كان كاذبا فعليه كذبه وصيامهم صحيح!

وهذا ما عليه المستند هنا! أن الناس لا سبيل لهم لتبين ما اذا كان القوم قد رأوا الهلال فعلا في المرصد أم لم يروه! وواجبهم الصوم مع الجماعة - والتي هي هنا أهل البلد الواحد على القول باختلاف الرؤى بين الأمصار - لقوله عليه السلام (صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون) .. فقولهم"ثبتت الرؤية"يبقى على الأصل وهو الصدق والبراءة، بغض النظر عما صنعوا بالحساب الفلكي في ذلك، فان كانوا قد صدقوا حقا فصيام الناس صحيح ولا تثريب عليهم، وان كذبوا فعليهم كذبهم يوم القيامة، وصيام الناس صحيح أيضا ولا اشكال، ولا يتكلفون ما لم يدل الشارع على اشتراط صحة صيامهم عليه!

هذا والله أعلم وأحكم.

ـ [أبو الفداء] ــــــــ [30 - Sep-2008, صباحًا 08:32] ـ

تصويبا لخطأ في الكتابة:

"قولهم هذا لم يجري"

الصواب: قولهم هذا لم يجر

ـ [أبو المنذر المنياوي] ــــــــ [30 - Sep-2008, صباحًا 08:49] ـ

الحمد لله وكفى وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى وبعد ...

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

أما بعد ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت