حيا الله أخانا الزحفي وأهلًا وسهلًا بك في عقر الموت، وقلب الفناء، ومحيط الاحتضار، ومجاري الدماء، وما هي إلا دقائق اقتطعت من وقت ارتشافه لكوب الشاي، ومن باب الميانة الجهادية، وأخوة الملاقيف، قام الأخ الزحفي إلى زوايا الخندق يرصد ويسجل ويصور، بل وامتدت يده إلى خريطةٍ استلقت على طاولةٍ خشبيةٍ عتيقةٍ في زاويةٍ من الزوايا، قلبها الزحفي بليلة كما يقلبها رومل في يده، وحدجها ببصره قائلًا: الحين فين الحفر اللي مستخبي فيها العدو الشيوعي الأحمر هزا؟!
أجابه مسؤول الخندق: هذه ليست خريطةً عسكريةً يا أخي!
الزحفي: إيش هزا يعني؟!
المسؤول: هذا دليل إرشادي لكيفية تشغيل جهاز اللاسلكي الجديد، الذي تبرعت به إحدى المشيخات الخليجية لصالح المجاهدين!
بليلة: أيوة ...
ودارت الأيام، وتصرمت الأشهر، وتتابعت السنين، ليتربع الأستاذ بليلة على صدر صحيفةٍ محليةٍ رديئة المحتوى، سيئة المضمون والتوجه، خبيثة الطوية، فأوعز لصبيٍ عنده أن يكتب مقالةً عن شيخ الإسلام ابن تيمية يتهمه فيها بالمسؤولية المباشرة عن تفجير المحيا، ولم يصدق القهوجي نفسه - وهو تلميذ خائب لا يحسن ربط حرفين، ولا النطق بكلمتين - فكتب تلك المقالة التي حمّل فيها شيخ الإسلام مسؤولية المذبحة والتفجير، ولم ينتظر عاقبة خيبته طويلًا، إذ أطارت مقالته رأسه تحت مقصلة فطرة الشعب المسلم الذي يحفظ لأئمة الإسلام قدرهم ومكانتهم، مع رأس رئيس التحرير السيد بليلة، ليدور الزمان دورته ثانيةً، ويسافر بليلة خارجًا لعامٍ ونيف، قبل أن يعود مرةً أخرى ليتربع هذه المرة على صدر نفس الصحيفة، ممارسًا نفس الدور الطريف في تجلية الغبش المخيم على عتبة المجتمع.
منتخبًا لصحيفته شرذمة طريفة من كتاب النكسة والوكسة إلا من رحم الله، أشيمطٍ عفا عليه الزمن، اختزلت مقالاته في الطريقة الأنسب لرؤية الهلال، هل يكون بالعين المجردة مثلًا، أم بواسطة قوارير الصحة؟! ومتخصصة في النفاس تتحدث عن الشأن المحلي للوطن والمرأة السعودية، وتكثر من قولها: إن تنظيم القاعدة اتصل عليها مساءً وهددها بتصفيتها جسديًا إن لم تكف عن إعداد طبق المقلوبة! وقس على ذلك، ألقاب مملكةٍ في غير موضعها.
مرت على صاحبنا أوقات تجلت له فيها عين الحقيقة أكثر من مرةٍ، وحلت عليه السكينة، ليذكره الشيطان فيمن عنده! فيسمح بلا ترددٍ بتلطيخ صفحة صحيفته بمقالةٍ لريتش لوري وهو كاتبٍ أمريكي لعين، دعا إلى قصف الكعبة المشرفة بالسلاح النووي في إحدى مقالاته! نعم بيت الله الحرام، الكعبة المشرفة التي نيمم وجهنا إليها في اليوم والليلة خمس مراتٍ! ما هذا الكرم الحاتمي لعبد القادر بليلة، يسمح بشكر إبليس وسب الصالحين ولمز الموحدين، ويلطخ أبصار المؤمنين بمقالة رأس الإرهابيين العالميين في صحيفةٍ تصدر بين جنبات أطهر بقعةٍ؟!
حدثني أحد الجواسيس قائلًا: إن الأستاذ عبد القادر يعشق طبق البليلة - حتى الثمالة - التي تدور على القوم في منزل الأستاذ محمد سعيد الطيب بمدينة جدة، وبحسب كمية البليلة التي توزع عليهم في أطباق البورسيلان النظيفة، تجود النفوس بحل المعضلات، وفك الأزمات، ويتم تداول هموم الوطن والمواطنين والسياسة الداخلية والخارجية وأسعار الحمص الذي تصنع منه البليلة، والأستاذ محمد بن سعيد داهية من الدواهي البشرية، إذ يقوم - فتح الله له أبواب الحق - بتوزيع البليلة على القوم بمقدارٍ، كي لا تطيش عقولهم فيتلاسنوا وقد يتلاحوا فيما بينهم، وكنت أتمنى من الأستاذ الكريم محمد أن يتوقف قليلًا عن إطعامهم البليلة ولو لمرةٍ واحدةٍ، ليميز الله له الخبيث من الطيب، وينظر أيهم أقام علاقته معه لله تعالى، أم لوجه البليلة!
بل إن عملية نقل طاقم تحرير الصحيفة الأخيرة إلى مدينة جدة، لم تكن وفق إجراءٍ إداريٍ يراعى فيه مصلحة الخبر والرقي بعقلية القارئ، أو إجراءً تقنيًا، بل كان لأجل القرب من بليلة الأستاذ محمد سعيد الطيب، والتي ما إن ترتفع ملعقة المذكور إلى شفته العليا المتداعية، حتى تدور عيناه في محجريها من فرط لذة الطعم، وروعة المذاق، وصوت ارتشاف المذكور لمرقتها يشهد على صحة ما قيل.
أخيرًا: على غرار مقالة شكرًا إبليس التي نشرتها صحيفته، أنتظر أنا والقراء الكرام مقالاتٍ أخرى وأرجو أن تكون بقلم عبد القادر بليلة نفسه: شكرًا بن لادن، لقد علمتني حب وطني وحب الاستقرار وفضل الأمن، شكرًا دكتور أيمن أن علمتني حب مصر وشعب مصر الطيب، شكرًا أبو حفص المصري، علمتني أن لا ألعب بالطراطيع والمتفجرات كي لا أؤذي بصري، وشكرًا أيها الإرهابي الدولي كارلوس لأنك علمتني حب الإنسانية وعشق الآخر، وشكرًا أخي محمد سعيد الطيب، بل أعجز عن شكرك، فلقد علمتني أن أكون بليةً مبلولةً مدى الحياة!