فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن الإغراق في اختزال عداوة الغير, والانهماك في تحريك مشاعر الحبّ والسلم فحسب قد يفضي إلى حيلة نفسية حذّر منها ابن القيم بقوله: (إن النفس الأمارة بالسوء تُري صاحبها صورة الصدق وجهاد من خرج عن دينه وأمره في قالب الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم , وأنه يعرض نفسه للبلاء ما لايطيق , وأنه يصير غرضًا لسهام الطاعنين وأمثال ذلك من الشبه) (( الروح ) ) (ص392) .
وإن من تحقيق العدل أن يقرر الحب وما يتفرع عنه من ولاء , وأن يقرر البغض وما يتفرع عنه من براء , كلّ ذلك بتوازن وقسط , فلا يطغى أحدهما على الآخر , فإذا كان الحبّ أصل كل فعل , فإن البغض أصل كل ترك , كما هو محرر مسطور في قاعدة المحبة لابن تيمية.
-أطلق الشيخ سلمان أن قطع الصلات من سمات الضالين , مع أن الآية الكريمة التي ساقها تنقض هذا الإطلاق , حيث قال تعالى: ? وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ? [سورة البقرة الآية 27] , فالمراد الصلات التي أمر الله أن توصل , وليس كل صلة , كما هو ظاهر الآية , ولذا رجح ابن جرير أن المراد به صلة الأرحام , واختار بعضهم أن المراد به أعم من ذلك , فكل ما أمر الله بوصله وفعله فقطعوا وتركوا.
-يخلط الشيخ سلمان بين حبّ الكافر , وبين معاملته بالبرّ والقسط , مع ثبوت الفرق بينهما , كما حققه القرافي في الفروق (3/ 15,14) , فلا يسوغ أن يقتصر على قوله تعالى: ? لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِم ْ ? [سورة الممتحنة الآية 8] , ويترك ما قبلها في أول السورة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ ? [سورة الممتحنة الآية 1] .
-النصوص الشرعية والآثار الكثيرة في مسائل الولاء والبراء أكثر من أن تحصر، ومع أن الشيخ سلمان قرر شيئًا من الحق والصواب في تلك المقالة, إلا أن الانتقائية حاضرة في إيراد الأدلة أو الاستدلال عليها, ومن ذلك أنه ساق أثرًا لابن عباس-رضي الله عنهما- إذ يقول: (لو قال لي فرعون بارك الله فيك لقلت: وفيك) .
ومن العجب أن يقتصر على هذا الأثر دون سائر الآثار , ولاسيما وأن الشيخ سلمان لم يبين معنى هذا الأثر المتشابه , فمَن المقصود بفرعون هاهنا؟ وهل يتصور أن فرعون موسى قد يدعو بهذا الدعاء؟ وهل مقصود ابن عباس أن يدعو بالبركة والنماء والزيادة لفرعون؟!
وفي الأثر المشهور عن ابن عباس أنه قال: (من أحبّ في الله, وأبغض في الله, ووالى في الله, وعادى في الله, فإنما تُنال وَلاية الله بذلك, ولن يجد عبدٌ طعمَ الإيمان وإن كثر صلاته وصومه حتى يكون كذلك, وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا) أخرجه ابن المبارك في الزهد.
ومن الانتقائية في الاستدلال أنه جعل آية ? لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. ? الآية [سورة المجادلة الآية 22] في حق المحاربين, وظاهر الآية يدل على عموم الكفار, والعبرة بعموم اللفظ ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شأن هذه الآية: (فهذا التأييد بروح منه لكل من لم يحب أعداء الرسل وإن كانوا أقاربه, بل يحب من يؤمن بالرسل وإن كانوا أجانب, ويبغض من لم يؤمن بالرسل وإن كانوا أقارب , وهذه ملة إبراهيم) (( الجواب الصحيح ) ) (1/ 256) .
-ومن شناعات المقال (كل الآيات التي جاءت تحرّم موالاة غير المؤمنين فالمقصود بها المحاربون .. ) فهذه العبارة هي (الباقرة) , فلقد أوقع أبو معاذ نفسه في سقطة شنيعة, وجرأة فجة ومصادرة مرفوضة .. فمن الذي سبقك يا أبا معاذ إلى هذا التعميم والقطع بهذا الرأي؟!
رحم الله زمانًا قريبًا كان العلماء ينتقدون بشدة من جعل موجب جهاد الكفار هو المحاربة وليس الكفر, فينقضون ذلك الرأي محتجين بقوله تعالى: ? قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ .. ? الآية [سورة التوبة الآية 29] .
(يُتْبَعُ)