فهرس الكتاب

الصفحة 11759 من 28557

فهذا الحديث من أقوى الأدلة وأصرحها على أن الأعمال من الإيمان، وذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- فسر الإيمان بالنطق بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأداة خمس المغنم، هذه أعمال ظاهرة.

رابعًا: النصوص الدالة على زيادة الإيمان ونقصانه:

قال-تعالى-: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون} . [الأنفال:2]

قال ابن كثير - رحمه الله - في (( تفسيره ) )لهذه الآية:"وقد استدل البخاري وغيره بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب-كما هو مذهب جمهور الأئمة-،بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة كالشافعي، وأحمد ابن حنبل، وأبي عبيد ..." [08] .

وأشباه هذه الآية التي أشار إليها كثيرة منها:

قوله- تعالى-: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانًا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} . [التوبة:124 - 125]

وقول الله- تعالى-: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليمًا حكيمًا} [الفتح:4] .. ونحوها.

أما الأحاديث، فمنها قوله- صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" [09] .

فدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعب الإيمان وخصاله [10] ، وأن بعضه أعلى من بعض.

وقال-صلى الله عليه وسلم-:"يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من إيمان ..".

فدل هذا الحديث على أن الإيمان يتفاوت قوة وضعفًا في القلوب، كما دل الحديث الذي قبله على أن شعب الإيمان بعضها أقوى وأعلى من بعض.

ومما تقدم من النصوص يتضح لنا تعريف الإيمان في الكتاب والسنة، وأنه قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن بعض خصاله أعلى من بعض، وان أهله يتفاوتون فيه قوة وضعفًا.

وعلى هذا القول: السلف الصالح- رضوان الله عليهم- أهل الذكر الذين لزموا كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم -، استمدوا علومهم منهما.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:"والمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية .." [11] .

قال ابن حجر- رحمه الله:"... روى اللالكائي بسنده الصحيح عن البخاري، قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص."

وأطنب ابن أبي حاتم و اللالكائي في نقل ذلك - بالإسناد -عن جمع كثير من الصحابة والتابعين وكل من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين .." [12] ."

وقد عرف الإمام ابن القيم- رحمه الله - الإيمان تعريفًا وافيًا، فقال:

"وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول-صلى الله عليه وسلم- علمًا، والتصديق به عقدًا، والإقرار به نطقًا، والانقياد له محبة وخضوعًا، والعمل به باطنًا وظاهرًا، وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان."

وكماله في الحب في الله والبغض في الله، والعطاء لله والمنع لله، وأن يكون الله وحده إلهه ومعبوده.

والطريق إليه تجريد متابعة رسوله ظاهرًا وباطنًا، وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله.

وبالله التوفيق." [13] ."

الحواشي:

[01] : رواه البخاري.

[02] : رواه مسلم.

[03] : رواه مسلم.

[04] : رواه البخاري (رقم44) .

[05] : رواه مسلم.

[06] : (( صحيح البخاري ) ) (1/ 95) .

[07] : رواه مسلم.

[08] : (( تفسير القرآن العظيم ) ) (3/ 552) .

[09] : رواه مسلم.

[10] : (( جامع العلوم و الحكم ) ) (ص306) .

[11] : (( مجموع الفتاوى ) ) (7/ 505) .

[12] : (( فتح الباري ) ) (1/ 74) .

[13] : (( الفوائد ) )لابن القيم (ص140) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت