فهرس الكتاب

الصفحة 11909 من 28557

وقال في وصف نوح صلى الله عليه وسلم:" {ومكروا مكرًا كبارًا} لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو، فأجابوه مكرًا كما دعاهم فقالوا في مكرهم: لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا. فإنهم لو تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء. فإن للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ٍ} أي حكم فالعالم يعلم من عَبَد وفي أي صورة ظهر حتى عُبِد، وإن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة والقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود" [الفصوص/72] .

ولما جعل هذا الخبيث قوم نوح الذين عبدوا الأصنام لم يعبدوا إلا الله وإنهم بذلك موحدون حقًا فلذلك كافأهم الله الذي هم نفسه وذاته بأن أغرقهم في بحار العلم في الله. قال:" {مما خطيئاتهم} فهي التي خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله، {فأدخلوا نارًا} في عين الماء {وإذا البحار سجرت} {فلم يجدوا من دون الله أنصارًا} فكان الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد" [الفصوص/73] .

وقال أيضًا:"ومن أسمائه العلي: على من، وما ثم إلا هو، فهو العلي لذاته أو عن ماذا؟ وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه، ومن حيث الوجود فهو عين الموجودات فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليس إلا هو" [الفصوص/76] .

وقال: ومن عرف ما قررناه في الأعداد، وأن نفيها عين إثباتها، علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه، وإن كان قد تميز الخلق من الخالق. فالأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق. كل ذلك من عين واحدة، لا، بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة. فانظر ماذا ترى {قال يا أبت افعل ما تؤمر} ؛ والولد عين أبيه. فما رأى يذبح سوى نفسه. وفداه بذبح عظيم، فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان. وظهر بصورة ولد: لا، بل بحكم ولد من هو عين الوالد. {وخلق منها زوجها} : فما نكح سوى نفْسِهِ. اهـ [الفصوص/78] .

وقال أيضًا:"فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية بحيث لا يمكن أن يفوته نعت منها، وسواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا. وليس ذلك إلا لمسمى الله تعالى خاصة" [الفصوص/79] .

وهذا الخبيث لا يكذب الرسل فقط في إخبارهم عن الله والغيب، بل يكذب ويكابر في المحسوس فإنه بما زعم في وحدة الوجود وأنه ليس إلا الله، مدعيًا أنه هو عين المخلوقات، وبذلك لا يكون هناك فارق بين الملك والشيطان والمؤمن والكافر، والحلال والحرام، ومن عبد الشمس والقمر، ومن كفر بعبادة الشمس والقمر ... بل ادعى كذلك أن الجنة والنار كليهما للنعيم، وأن أهل النار منعمون كما أهل الجنة، قال:

وإن دخلوا دار الشقاء فإنهم على لذة فيها نعيم مباين

نعيم جنان الخلد، فالأمر واحد وبينهما عند التجلي تباين

يسمى عذابًا من عذوبة طعمه وذاك له كالقشر والقشر صاينُ

وهذه صورة من الصور الشيطانية الإبليسية في الإفصاح عن هذه العقيدة الخبيثة فيما سماه بفص حكمة أحدية في كلمة هودية:

"اعلم أن العلوم الإلهية الذوقية الحاصلة لأهل الله مختلفة باختلاف القوى الحاصلة منها مع كونها ترجع إلى عين واحدة، فإن الله تعالى يقول: (( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يسعى بها ) )فذكر أن هويته هي عين الجوارح التي هي عين العبد. فالهوية واحدة والجوارح مختلفة. ولكل جارحة علم من علوم الأذواق يخصها من عين واحدة تختلف باختلاف الجوارح، كالماء حقيقة واحدة في الطعم باختلاف البقاع، فمنه عذب فرات ومنه ملح أجاج، وهو ماء في جميع الأحوال لا يتغير عن حقيقته وإن اختلفت طعومه. وهذه الحكمة من علم الأرجل وهو قوله تعالى في الأكل لمن أقام كتبه: {ومن تحت أرجلهم} فإن الطريق الذي هو الصراط هو السلوك عليه والمشي فيه، والسعي لا يكون إلا بالأرجل. فلا ينتج هذا الشهود في أخذ النواصي بيد من هو على صراط مستقيم إلا هذا الفن الخاص من علوم الأذواق.) فيسوق المجرمين (وهم الذين استحقوا المقام الذي ساقهم إليه بريح الدبور التي أهلكهم عن نفوسهم بها، فهو يأخذ بنواصيهم والريح تسوقهم وهو عين الهواء التي كانوا عليها إلى جهنم، وهي البعد الذي كانوا يتوهمونه."

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت