فهرس الكتاب

الصفحة 1212 من 28557

فلم يزل بآدم عليه السلام وذريته وسوسة وإغواء وإضلالا حتى تسبب في إهباط آدم من الجنة وقتل ابن آدم لأخيه، ولم يكفه هذا فلما مر ببني آدم الزمان وطال عليهم العهد بالنبوة حسن إليهم الشرك وأغواهم فكان له ما أراد، وصدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه، ووقعوا في الشرك، وكان أول ذلك زمن قوم نوح حين عبدوا الأصنام ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، وكانت هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت، هذا ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما كما في البخاري. وروى ابن جرير عن محمد بن قيس قال:"كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم".

هكذا بدأ الشرك في بني آدم، بسبب إغواء إبليس لهم، لكن الله سبحانه بحكمته وعلمه ورحمته بعباده لم يتركهم هملا يغويهم إبليس وجنده، بل أرسل إليهم الرسل لتبين لهم الدين الحق، وتحذرهم من الشرك والضلال رحمة منه بعباده، وإقامة للحجة عليهم: ? لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ? [سورة الأنفال الآية 42] يقول الله سبحانه وتعالى: ? رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ? [سورة النساء الآية 165] ويقول سبحانه: ? وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ? [سورة الأنعام: 48 - 49] .

وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين» ، وفي لفظ آخر: «من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه» . فأرسل الله الرسل إقامة للحجة على عباده وإعذارا لهم. وهذه الرسالات من نعم الله على خلقه أجمعين؛ إذ حاجة العباد إليها فوق كل حاجة، وضرورتهم إليها فوق كل ضرورة، فهم في حاجة إلى الرسالة أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب والدواء، إذ قصارى نقص ذلك أو عدمه تلف الأبدان، أما الرسالة ففيها حياة القلوب والأديان، بل والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - [ (( مجموع الفتاوى ) ) (19/ 99) ] ، أرسل الله الرسل وجعلهم بشرا من أقوام المرسل إليهم وبلسانهم ليبينوا لهم الدين الحق: ? وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ? [سورة إبراهيم الآية 4] . وكل أمة بعث فيها رسول، قال عز وجل: ? وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ? [سورة يونس الآية 47] .

وقال سبحانه: ? وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ? [سورة فاطر الآية 24] . بعثوا جميعا بدين واحد وهو الإسلام؛ إخلاص الدين لله، وتجريد التوحيد له سبحانه، واجتناب عبادة ما سواه: ? وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ? [سورة النحل الآية 36] ، وقال سبحانه: ? وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ? [سورة الأنبياء الآية 25] وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «الأنبياء إخوة، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» متفق

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت