وأهل الفترة هم الذين جاءوا على فترة من الرسل أى على انقطاع من الرسل فالفترة هي ما بين كل نبيين كانقطاع الرسالة بين عيسي عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، و"الفترة""الفعلة"من قول القائل:"فتر هذا الأمر يفتُر فُتورًا"، و ذلك إذا هدأ وسكن. فالفترة في هذا الموضع معناها: السكون، يراد به سكون مجيء الرسل، و أهل الفترة قسمان قسم بلغته نذارة الرسل فلايعذر بالجهل، و هم محجوجون بنذارة الرسل الذين أرسلوا إلى من قبلهم، وقسم آخر لم تبلغه نذارة الرسل فيعذر بالجهل فالعبرة في اعتبار أهل الفترة المعذورين عدم بلوغ نذارة الرسل، و ليس طول الفترة بين الرسول والرسول، أو بينهم وبين إرسال الرسول،وقد أرسل الله الرسل عليهم السلام مبشرين ومنذرين، وأقام سبحانه للناس أسباب الهداية، ومن تمام حكمته وعدله أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه،، ولذلك لا يعذب الله من لم تبلغهم نذارة الرسل كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا) [5] أى أولئك الذين لم تقم عليهم حجة الله لعدم وصول الرسالة إليهم، فأولئك يرفع الله عنهم عذابه فمن لم تبلغه النذارة فليس بمُنذر، و الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، وقال البغوي: وذلك أن الله تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحدًا إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبًا إذا أمر فلم يأتمر أو نهي فلم ينته، وذلك بعد إنذار الرسل [6] ا. هـ و لا عذاب على كافر أصلًا حتى تبلغه نذارة الرسول فالحجة لاتقوم إلا بعد العلم والبيان، وقال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [7] .فدلت الآية أن الله أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه لئلا يبقى لمعتذر عذر؛ لأنه إن لم تبلغه النذارة يُعذر، وسميت المعذرة حجة مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة تنبيهًا على أن هذه المعذرة مقبولة لديه تفضلًا منه ورحمة، ومعنى قوله (بَعْدَ الرُّسُلِ) أى بعد إرسال الرسل. وقال تعالى: (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) [8] . ففى الآية خطاب من الملائكة موجه لكل من يدخل النار،هل أتاكم نذير فيقولون نعم،وهذا يقتضي أنهم جميعًا أنذرهم الرسل، ولو تحقق تكليف قبل الشرع لم يكن الأمر كذلك فقوله سبحانه: (كلما ألقي فيها فوج) يعم جميع الأفواج الملقين في النار أي جميع من يدخلون النار من أهل الكفر فالآية تدل على أن الله تعالى لا يعذب بالنار أحدًا إلا بعد أن ينذره في الدنيا فكل من يدخل النارمن الكفاريعترف أن نذارة الرسل قد بلغته فقابلها بالرد والإعراض، والجحود .. وأنه دخل النار بعد بلوغ نذارة الرسل إليه ... وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ. قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) [9] . ففى الآية سؤال خزنة جهنم للذين دخلوا النار من الكفار يقتضي أنهم جميعًا أنذرهم الرسل، ولو تحقق تكليف قبل الشرع لم يكن لهذا السؤال معنى. وقال عز وجل: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [10] . فقوله: (وسيق الذين كفروا) يعم كل الذين كفروا،وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا؛ فعصوا أمر ربهم. وعن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع
(يُتْبَعُ)