فهرس الكتاب

الصفحة 12437 من 28557

المدرّسات و الطّالبات للحجاب"، داعيا إلى الكفّ فورا عن جميع المضايقات و الانتهاكات التي تستهدف مرتديات الحجاب بعد ثبوت خرقها لمبدأ الشرعية."

إنصافات و انتصارات دفعت بعض المحلّلين السّياسيين، و مِنهم برهان بسيّس؛ إلى التّصريح بوجود تجاوزات من قبل بعض المشرفين على تطبيق التعليمات الإدارية، مؤكّدا أنّ القضاء التّونسي بالمرصاد لكلّ هذه الخروقات.

و هي إنصافات تُذكر و لا تُنسى و تُشكر و لا تُكفر، و هذا يعكِس حقيقة بديهية تُؤكّد أنّ الأطراف التّونسية على المستوى السّلطوي و الإداري ليست متّفقة و مُجمعة على هذه الحرب المهزومة ضدّ الحجاب، و هذا شيء طيّب يغلّب جانب التّفاؤل أمام دمعة تُذرف و صراخ يرتفع تحت وطأة ضغط و تضييق كالسّوط يجلد أمّة مِن المتحجّبات.

أمّا ما نالته قضيّة الحجاب في تونس مِن التّأييد و العواطف في حدود البلاد و خارجها، و الّذي ما فتئ يزيد في الكمّ و يتوسّع في الحدود، فهو شيء تؤكّده المواقف المتعدّدة و التّعليقات الإعلامية و الكتابات المتكرّرة حول الموضوع، لكن الحقّ يُقال؛ و إنْ سُجّلت خارج تونس بعض المواقف، لكنّها على مستوى مِن الضّعف الّذي هو أقرب إلى الخذلان منه إلى نصرة المظلوم الّذي دعا إليه نبيّنا صلّى اللّه عليه و سلّم!، كيف ذلك؟!.

مفارقة عجيبة!

و اللّه لا يكاد ينقضي عجبنا؛ كلّما ساح فكرنا و عادت بنا الذّاكرة إلى تلك المواقف الكبيرة الّتي عشناها و رأيناها جميعا، بعد جريمة الصّور الدّانمركية المسيئة، و قبلها واقعة تدنيس المصحف، و بعدهما فيلم الفتنة الهولندي -فيلم هدف إلى تشويه صورة نبيّنا صلّى اللّه عليه و سلّم- ... ؛ رأينا مسيرات جابت شوارع الأمّة الإسلاميّة، و عشنا مقاطعة واسعة لبضائع أولائك الظّلمة الشّانئين، دعا إليها علماء و استجاب لها النّاس حكّاما و محكومين، و سمعنا خطبا و تعليقات قويّة تحرّكت لها القلوب إيمانًا و دمعت منها العيون غيرةً على بيضة الإسلام، و قرأنا كتابات و مقالات رَسمت معنى حبّ الإسلام و الدّفاع عنه، فضلًا عن الدّور الإعلامي الكبير على مستوى القنوات الفضائيّة و الصّحف الّذي كان إيجابيا إلى أبعد الحدود ...

بل الأعجب مِن ذلك أنْ حَدث المنع نفسه -مَنع الحِجاب- في فرنسا، عندما قرّرت السّلطة الفرنسية عدم السّماح بالحجاب في المدارس الرّسمية معتبِرةً إيّاه رمزا دينيا؛ فما كان مِن المسلمين إلاّ الغضب و المعارضة الكبيرة و التّنديد الواسع و التّعبير عن السّخط على هذا القرار الجائر في حقّ الحجاب و المتحجّبات، و تكلّم الإعلام كثيرا حول الموضوع الّذي تصدّر عناوين أخباره، و كتبت الصّحافة بالخطّ العريض في أوائل صفحاتها، و علّق النّاس عامّة و خاصّة ... ، هذا كلّه رغم أنّ السّلطة الفرنسية لم تخصّ المسلمين بالمنع بل حظرت كلّ الرّموز الدّينية بما فيها النّصرانية! و هكذا كان موقف المسلمين عندما أقدمت السّلطات الانجليزية على منع النّقاب.

ردود رسمية و شعبية تُحسب لتاريخ يُضاف للمسلمين، و لَسوف تقرأه الأجيال اللاّحقة بشعورٍ مِن الفخر و الاعتزاز بالأجداد بإذن اللّه.

ردود بذلك المستوى رغم أنّ تلك المضايقات و الاستفزازات كانت أحداث فردية و وقائع عابرة غالبا، قام بها أقوام غير مسلمين في أراض لا تدين بالإسلام، بل و قوبلت برفض الكثير مِن بني جنسهم أحيانا قبل رفض المسلمين، فكان الردّ و الموقف الإسلامي بالحجم كما ذكرنا إلى درجة وصفه مِن البعض بالمبالغة.

أمّا عن سبب التعجّب فجوابه؛ أنّه تأتي أحداث تونس و هي البلاد الّتي تنتسب إلى الإسلام تاريخا و واقعا، و تقع في قلب العالم الإسلامي أرضا و حدودا ... ، فلم نسمع أو نرى مثل تلك المواقف لا رسميا و لا شعبيا! رغم أنّ ما يجري في تونس قد انطلق منذ سنوات عديدة تحت مظلّة رسمية و غطاء قانوني و تأييد حزبي و جمعوي! و ضحاياه آلاف النّساء و الفتيات!، فهي سنوات لم تجدْ لدموعها مُكَفكفا و لم ترى لآهاتها مُسلّيا، و إن كان ثمّة موقف يُذكر فهو بين صوت خافت و مقال يَنشر خبرا يحكيه، بل أيّ تفسير للاحتجاج العارم الّذي قابل المنع الفرنسي الرّسمي لشقيقتين مِن دخول مدرستهما بالحجاب، رغم أنّه حدَث في أرض بعيدة عن أرض تونس و العالم الإسلامي! و هي بلاد تنتسب للنّصرانية تاريخا و للعلمانية واقعا! و تقع في قلب العالم

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت