فهرس الكتاب

الصفحة 12567 من 28557

وبدأ عهده بكارثة 11 سبتمبر التي كانت هذه الإدارة في حاجة ماسة إليها لتمثل دور"الأسد الجريح"و"الثور الهائج"و"الفيل الغاضب"، فانكمشت أوروبا وتلعثمت روسيا وانبطح الجميع، إلا المسلمون الذين ظل منهم من يردد بلسانه عقيدة الولاء والبراء، وعقيدة:"إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ"، وأن المسلم لا يرضى بأن يحكم بغير شرع الله ولو بالتأويلات الفاسدة التي يتذرع بها بعض بني جلدتنا من ادعاء أن القوانين الوضعية المعاصرة أخذت القوانين الأوروبية، ولكن بعد إخضاعها لروح الشريعة الإسلامية، أو غير ذلك من العلل، فضلا عما تريده أمريكا من أن تحكم بنفسها وبشريعتها الخاصة بكل ما فيها من كفر وإلحاد، وزنا وشذوذ، وخمر، وميسر وربا (1) .

كما قامت فصائل إسلامية كثيرة بمواجهة أمريكا وربيبتها إسرائيل عسكريا في أفغانستان والعراق وفلسطين، بل حتى الشيعة الذين كانوا وما زالوا موالين للأمريكان أمام أهل السنة إلا أنهم لم يسلموا للمشروع الأمريكي وقاوموه، تمثل ذلك في مواجهة إيران أمريكا، وحزب الله إسرائيل (2) .

ويبدو أن المفكرين الأمريكان قد أدركوا أنهم اتخذوا خطوة إعلان القرن الحادي والعشرين قرنا أمريكيا خالصا مبكرا.

ومن هنا بدأوا في التفتيش عن وجه سياسي جديد يعيد الحراك في الديمقراطية الأمريكية التي كادت أن تنهار داخليا بانصراف معظم طوائف الشعب الأمريكي عن الانتخابات قناعة منهم بأن الانتخابات قد أتت إليهم بالأسوأ، وليس الأحسن -لاسيما داخليا- فضلا عن الوجه القبيح الذي ارتدته في الخارج.

وكان في حكم المؤكد أن النجاح هذه المرة سيكون حليف المرشح الديمقراطي، ولذلك قام الحزب الجمهوري بتقديم مرشح كان من الصعب أن يفوز ولو نافس نفسه، بينما أجرى الحزب الديمقراطي منافسة بين وجهين جديدين ينتميان الى شريحتين لم يصل أحد منهما إلى منصب الرئيس من قبل"هيلاري كلينتون"و"باراك حسين أوباما".

أما الأولى فكانت أبرز مؤهلاتها أنها زوجة لرئيس أمريكي سابق، لاسيما أن سكوتها على فضائح زوجها الجنسية يمثل بالنسبة للإعلام الأمريكي بطولة، ويبدو أن القوى المحركة للإعلام الأمريكي كانت تعد هيلاري لذلك منذ ولاية زوجها.

وأما الثاني فشاب يتوقد ذكاء وطموحا، متعدد الدراسات الأكاديمية مع بعض الممارسة السياسة العملية، وإن كانت طموحاته السابقة لم تتعدى أن يكون نصير السود المهمشين حتى أنه استبعد تماما في أن يفكر في الترشيح للرئاسة في وقت لاحق، إلا أنه يبدو وقد علم أو أعلم أن أمامه فرصة جيدة للمنافسة على الأقل.

وكان أمام"باراك حسين أوباما"، عدة عوائق أولها وأخطرها اسم أبيه"حسين"، بل قد ذهب خصومه إلى أنه نفسه كان مسلما، بل ربما زعموا أنه ما زال على إسلامه إلا أنه يتخفى.

إلا أنه تجاوز ذلك بالتأكيد على أنه لم يكن مسلما في بداية حياته، وإنما كان علمانيا ثم تنصر وإن كان الكثيرون لم يغفروا له أن أباه مسلم (3) .

والقضية الثانية لونه البني الداكن لكونه من أب زنجي وأم بيضاء إلا أن كل هذه العقبات كانت هي بعينها الأمور التي دفعت صانعي القرار إلى اختياره ليغسل العار الذي خلفه اختيارهم الخاطئ في المرحلة السابقة، وليجد المبررات الأخلاقية التي يستطيع معها أن يلين الكلام مع كل الأطراف التي ركلتها الإدارة السابقة خارج حلبة النقاش، ولأمر آخر أكثر خطورة بالنسبة إليهم وهو أنه يسهم في خلق هوية أمريكية تنتمي للأرض الأمريكية، وتدين بالولاء للعلم الأمريكي بغض النظر عن تعدد الأعراق والأجناس والأديان (4) -طبعا باستثناء الإسلام الذي فضَّل أوباما أن ينسب ماضيه إلى الإلحاد عن أن ينسبه إلى الإسلام-.

وبالفعل فاز"باراك حسين أوباما"وفرح كثير من المسلمين بنجاحه من جميع الشرائح: الساسة والمفكرين، والعامة الذين بلغ الفرح ببعضهم إلى حد توزيع الحلوى!!

والذي نريد أن ننوه عليه أن نؤكد على أن حرب الهوية ما زالت قائمة، وأن حلم أمريكا بقيادة العالم ما زال قائما، وأن الذي يمكن أن يتغير هو التكتيك فقط، حتى وإن كانت بعض صور التكتيك أهون شرا من الأخرى فهي رحمة من الله -عز وجل-، إلا أن التكتيك الناعم غالبا ما يحتاج درجة يقظة أعلى؛ لاسيما وقد ابتليت أوساط الصحوة فضلا عن غيرها بحمى التقارب، بل الذوبان في الغير.

نسأل الله أن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت