فهرس الكتاب

الصفحة 12637 من 28557

يُقدمون لها عبقريات في الآداب والفنون والعلوم؟ لقد سبقتهم شعوب الأرض في هذه الحقول. والبشرية تغص بالعبقريات في هذه الحقول الفرعية للحياة. وليست في حاجة ولا في انتظار إلى عبقريات من هناك في هذه الحقول الفرعية للحياة!

يُقدمون لها عبقريات في الإنتاج الصناعي المتفوق، تنحني له الجباه، ويُغرقون به أسواقها، ويُغطون به على ما عندها من إنتاج؟ لقد سبقتهم شعوب كثيرة، في يدها عجلة القيادة في هذا المضمار!

يُقدمون لها فلسفة مذهبية اجتماعية، ومناهج اقتصادية وتنظيمية من صنع أيديهم، ومن وحي أفكارهم البشرية؟ إن الأرض تعج بالفلسفات والمذاهب والمناهج الأرضية، وتشقى بها جميعًا غاية الشقاء!

ماذا إذن يُقدمون للبشرية لتعرفهم به، وتعترف لهم بالسبق والتفوق والامتياز؟

لا شيء .. إلا هذه الرسالة الكبيرة. لا شيء .. إلا هذا المنهج الفريد. لا شيء .. إلا هذه المنة التي اختارهم الله لها. وأكرمهم بها، وأنقذ بها البشرية كلها على أيديهم ذات يوم. والبشرية اليوم أحوج ما تكون إليها، وهي تتردى في هاوية الشقاء والحيرة والقلق والإفلاس!

إنها - وحدها- بطاقة الشخصية التي تقدموا بها قديمًا للبشرية، فأحنت لها هامتها، والتي يمكن أن يقدموها لها اليوم، فيكون فيها الخلاص والإنقاذ.

إن لكل أمة من الأمم الكبيرة رسالة، وأكبر أمة هي التي تحمل أكبر رسالة، وهي التي تقدم أكبر منهج، وهي التي تتفرد في الأرض بأرفع مذهب للحياة.

والعرب يملكون هذه الرسالة - وهم فيها أصلاء، وغيرهم من الشعوب هم شركاء- فأي شيطان يا ترى يصرفهم عن هذا الرصيد الضخم؟

أي شيطان؟!

لقد كانت المنة الإلهية على هذه الأمة بهذا الرسول وبهذه الرسالة عظيمة عظيمة. وما يمكن أن يصرفها عن هذه المنة إلا شيطان .. وهي مكلفة من ربها بمطاردة الشيطان!). الظلال (1/ 512) .

التعليق

هذا ما قاله سيد -رحمه الله-! وأعلم أن طائفة ستتنكر مثل هذا الكلام، وتعده مثبطًا ومخذلًا للأمة أن تترقى في سلم الحضارة الدنيوية، وتساهم في ذلك مع غيرها من الأمم المختلفة التي سبقتها في هذا المضمار.

ولكني أرى الحق مع سيد - رحمه الله-، ويشهد لذلك نصوص شرعية كثيرة تجعل أهم عمل يقوم به المسلم في هذه الدنيا هو التزامه أحكام الإسلام، ودعوته الناس لهذا النور الذي امتن الله عليه به، أما أمور الدنيا وعمارتها فهي أمور تابعة ولاحقة لذلك الأمر العظيم، الذي لو قام به حق القيام ليسر الله له من أمور الدنيا ما يورثه العزة والقوة بين الناس. قال تعالى (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارًا ويزدكم قوة إلى قوتكم) ، وقال سبحانه (ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب) .

فعمارة الدنيا يجب أن لا تُنسي المسلم هدفه الأول من خلق الله له، وهو عبادته سبحانه وحده لا شريك له، ثم إخراج الآخرين من ظلمات الشرك والبدع والمعاصي إلى نور التوحيد والسنة والطاعة. (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) .

وسعي المسلم لهذا الإعمار ينبغي أن لا يقوده إلى التفريط في ثوابته أو أحكام شريعته زاعمًا بجهل أو تجاهل أن مثل هذا التفريط يوصله حتمًا إلى التقدم الدنيوي والحضاري، كما تصنع الدول (العَلمانية) في عالمنا الإسلامي التي ظنت -لجهلها- أن الإسلام يعارض التطور الدنيوي النافع؛ فآثرت التفريط بأحكام الشريعة ليحصل لها التطور الدنيوي (الموهوم) ، فكانت عقوبتها العاجلة من الله لتفريطها في حمل دينه أن خسرت الدين والدنيا جميعًا، كما هو مشاهد. فهذه سنة من سنن الله لهذه الأمة أنها لن تصل إلى العز والرفعة إلا بحمل هذا الدين ونقله إلى الآخرين، وأما بدون ذلك فليس لها إلا الذلة والمهانة والخمول بين الأمم.

أما الدول الكافرة فلها سننها الخاصة بها، لعلي أتعرض لها في مقال آخر.

والخلاصة: أن على البلاد الإسلامية شعوبًا وحكومات أن تجعل مبتغاها الأول هو الالتزام الكامل بدين الإسلام، وتعلم أنه شرفها وعزها بين الأمم، ومتى علم الله صدق نيتها في ذلك منّ عليها بالقوة والعزة وسهل لها الأسباب الدنيوية المعينة على ذلك.

وأن تعلم -قبل هذا- أن الميزان يوم القيامة هو في تحقيق عبودية الله من عدمه، أما التقدم الدنيوي فلا عبرة به عند الله حينذاك، وقد أخبرنا سبحانه بأنه قد دمَّر كثيرًا من الأمم السابقة التي بلغت شأنًا عظيمًا في التقدم بسبب أنها عصت وتمردت على دين الله. قال سبحانه: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) .

والله الهادي ..

تنبيه: مقالي عن"فكرة"سيد - رحمه الله - فأرجو حصر النقاش فيها، أما أخطاؤه وتجاوزاته فقد بينها أهل العلم، هنا شيئ منها: http://majles.alukah.net/showthread.php?p=162046

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت