فهرس الكتاب

الصفحة 12705 من 28557

** أحد نقاد الأدب الأمريكي قال لو قيل لي ما هي الحضارة الأمريكية لقلت إنها حضارة الجدل، أي عرض الفكرة بوضوح في جمع من الناس، واستعراض قوة الاقناع بها، ثم قبول القول بالفكرة المضادة وحق صاحبها في استكمال البلاغ بها، وفن الخطابة يدرس في مستويات التعليم الثانوي، لا كما حولنا الخطابة إلى محسنات بديعية، بل إلى حجج علمية وعقلية في سياق عاطفي وتأثيري شامل، بما فيه اللغة، وأوباما امتلك ناصية البيان، وعقل القانوني، والنزعة القيادية، وقدرة المثقف الشمولي، وفي بيئة الجدل يصعد هذا النوع، وهذا ما جعله مؤثرًا، إضافة إلى الأزمة القائمة والحاجة للتغيير، وصعود شباب يكره التزمت المسيحي اليهودي الذي مارسته إدارة بوش، وزيادة عدد السكان من مهاد ثقافي مختلف سيكون له دوره المستقبلي.

أما الجانب الإسلامي، فإن المسلمين الآن كجالية تعيش زمنا معقولًا قياسًا بأيام بوش السوداء في ولايته الأولى، وقد دمرت مؤسساتهم، واتهمت قياداتهم، وحوصروا حصارًا مرعبًا، ولكنه بدأ ينفرج الأمر منذ الدورة الثانية لبوش، وخاصة أنه لم يعد بحاجة للمتاجرة بترعيبهم ولا بمطاردتهم، وبعد سقوط رموز اليهودية في البيت الأبيض. أما مسألة المستضعفين في العالم فإن زعيمًا من أصل مستضعف لا يبدو أنه قادر على إحداث شيء كثير ولأنه أيضا ينتظر جولة أخرى، واقتصاد بلاده ضعيف، والداخل يحتاج لحلول كثيرة، ولن يحك جلدك مثل ظفرك، فالأولى عدم تعليق الآمال على غير أهلها.

ـ أصداء المقالة:

* لعلنا ندخل هنا مباشرة دكتور محمد في هذه العاصفة التي أثارتها مقالتك الأخيرة"انتصار الديمقراطية على الوثنية"والذي أثار ردود فعل متباينة، وقد مجدت فيه الديمقراطية الأمريكية التي يصعد فيها"الأكفأ والعملي"، وأنت تعلم أنه لا يفوز بهذه الانتخابات إلا من يتقن الخداع الجماهيري، ويسخر الأموال والدعاية وغير ذلك من العيوب التي بدأ النقاد يبحثونها ويبرزونها؟

** الحديث عن الديمقراطية كان في الغرب فترة من الزمن من المحرمات الفكرية، وكان من يرفع هذه الشعارات يعد في الطبقات المجرمة والمعتدية، ولكنها منذ قرنين من الزمان أصبحت من أعلى طموحات الإنسانية، وفضيلة خلقية واجتماعية لا تنازع، وأصبح الكاذبون والديكتاتوريون المستغلون يرفعون شعارها حتى وهم يسرون بل وعلنا يمارسون استغلالها، أما عن عيوبها فلا يشك عاقل طرفة عين في مصائبها، والذين يناقشون من الغربيين مصائبها يناقشونها كما يناقشون حوادث السيارات والطائرات، ومصائب أخطاء الأطباء في المستشفيات، ليس ليلغوا الطب والمستشفيات بل ليصلحوها، ولا ليتراجعوا عن تقدمهم وتحضرهم ويرجعوا لعصر الدكتاتورية، وكذا إذا ذمّ الناس السيارة والطائرة فليس ليعودوا إلى عصر الحمار، ولهذا ينتقدون الديمقراطية ليطوروا هذه الآلية التي هي أحسن نظام إنساني للحكم طوره الناس في زماننا، ولعل من أسباب سقوط الخلافة الراشدة أنها لم تنتقد ولم تطور في حال قوتها وفترة حكمها، أما عن سبب تسمية غيرها بالوثنية فعلى منتقدي أن يوجهوا نقدهم وعيبهم لعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي سماها كسروية وقيصرية وهذا فهمي من كلامه بأن القيصرية والكسروية أراد بها النظم الوثنية التي جاء الإسلام لإزالتها، فإن كان أخطأ عبد الله بن عمر فخطأي من خطئه.

* وماذا عن جانب المال والإعلام؟

** من يلمز حول استخدام المال والدعاية، فأرجو أن يتذكر هؤلاء الصراع الإخواني السلفي في انتخاب البلديات في المملكة، وأن يروا صراع الإسلاميين في الكويت، فإن كانت هذه جرائم فإن القوائم الذهبية التي أصدرها الإسلاميون والدعايات والأكلات كانت من واجهة صراع الإسلاميين، وتبرعوا وأُنفقت أموال في مصارفها ولم يتساءلوا عن شرعيتها، ولم يعترض عليها هؤلاء فكيف يعترضون على غيرهم من غير المسلمين ويريدون أن يرتكس العالم في مصيبة ديكتاتورية بوش وبلير؟ ألا يذكر هؤلاء أن الله تعالى بدأ سورة الروم بقوله: (الم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون) ، الروم 1 - 4، فسيفرح مؤمنو مكة وكانوا مسلمين على عهد الرسالة ولم يكن الصحابة سلفيين بانتصار قادم للأقل كفرا و وثنية على الأكثر وثنية عبدة النار! فهذا فرق بين عقل تاريخي وبين

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت