فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن هناك اختلافا بين العلماء أنفسهم على الأحاديث التي تنطبق عليها صفة الحديث الصحيح. فكما ينقل البنا عن الإمام الحاكم فإن"عدد من خرج لهم البخاري في الجامع الصحيح ولم يخرج لهم مسلم أربعمائة وأربعة وثلاثون شيخا وعدد من احتج بهم مسلم في المسند الصحيح ولم يحتج بهم البخاري في الجامع الصحيح ستمائة وخمسة وعشرون شيخا"ويضيف إلينا إلى ذلك في كتابه (السنة) "أن هناك اختلافا في تحديد مضمون كلمة ثقة من بعض المحدثين والبعض الآخر كما يظهر من قبول البخاري لمن رفضه مسلم والعكس بالعكس".
وظاهر الخلاف هنا يبدو وكأنه يدور حول الصحة والضعف. ولكن الحقيقة هي أنه يدور حول الصحة وزيادة التوثيق من هذه الصحة. فقد اشترط البخاري في رجال صحيحة العدالة الضبط واللقيا بينما اشترط مسلم العدالة والضبط والمعاصرة. ومعنى ذلك أن مسلم كان يكتفي لصدق الحديث معاصرة الشيخ للشيخ الذي يروى عنه بينما البخاري لا يكتفي بذلك بل يشترط التحقق من التقاء الشيخ بالشيخ الذي يروي عنه. فالمسألة تعني الزيادة في التأكد عند البخاري دون أن تعني ضعف منهج مسلم في تحقق الصحة.
أما حكاية اختلاف الثقة في الشيوخ بين إمام وآخر، فهذا يتعلق بمدى تحقق كل إمام من ثقة الشيخ المروي عنه بحسب درجة تحفظه في مدى توفر تلك الثقة والتي كانت تبلغ درجة من التشدد في التحفظ عند البعض لا يعيب البعض الآخر أن يتخفف منها. فقد كان يسقط الكثير من الأئمة الثقة عن بعض الرواة لمجرد أنه يأكل في الأسواق أو يصيح فيها. وللزهري (إبراهيم بن سعد) الذي ولي قضاء بغداد واتفق الكثير من الرواة على عدالته (وهو غير الزهري التابعي الشهير) قصة لها أهميتها الخاصة حيث يروي عنه الإمام ابن القيسراني في كتابه السماع. أنه كان يفتي بتحليل الغناء (وهو أمر يتفق معه فيه أئمة آخرون كابن حزم والغزالي بعكس ما يعتقد البعض من الاتفاق على تحريمه) وأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه فسمعه يتغنى فقال: لقد كنت حريصا على أن أسمع منك فأما الآن فلا سمعت منك حديثا أبدا. قال إذن لا أفقد إلا شخصك. أ. هـ. ولا نعتقد أن من يترك على سبيل المثال تلك الدرجة من التحفظ في أخذ الأحاديث يكون في حديثه ضعف بسبب ذلك.
ويستدل البنا على موقفه أيضا في رفض منهج العلماء في إثبات صحة الحديث بما يذهب إليه من تعذر التوصل ولو إلى حديث واحد متواتر (أي رواه جميع من الثقات عن جمع من الثقات) تواترا لفظيا (158) . ويضرب لذلك مثلا بحديث"من كذب علي .. إلخ"حيث يذكر من رواياته الروايات التالية:
1 -من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
(وهذه في معظم الروايات التي رويت عن مائة صحابي) .
2 -من كذب علي فيلتمس لجنبه مضجعا من النار.
(وهذه لقتادة رضي الله عنه) .
3 -من كذب علي متعمدا ورد أو رد شيئا مما أمرت به فليتبوأ بيتا في جهنم. (وهذه عن أبي بكر) .
ترى لو جاء عن أحد الزعماء انه قال:"أننا سنحارب الأعداء بكل عزم وقوة"في عشر روايات. وقال في غيرها"أننا سنحارب اعداءنا بكل قوة وعزم"فهل يحق لنا أن تسقط هذا الكلام ونبقي روايته عن هذا الزعيم ولا يشك العالم اجمع في قوانا العقلية؟
ولكن ماذا نفعل إذا كان الأستاذ جمال البنا يعلق على الروايات السابقة للحديث المذكور بقوله:"فإذا كان هذا هو المثال الذي يضربونه بالمتواتر والذي نرى أن تواتره اللفظي غير قائم. وأن تواتره المعنوي متفاوت فكيف يمكن الوثوق في حديث متواتر؟" (السنة: ص140) .
ويستدل الأستاذ على موقفه أيضا بأن علماء الحديث اهتموا بسند الحديث (الرواة) دون المتن (مدى صحة نص الحديث نفسه. وينقل في ذلك عن الدكتور إسماعيل منصور من كتابه(تبصير الأمة بحقيقة السنة) قوله:"أن ما وضعه المحدثون من ضوابط في السند صرفت المحدثين عن العناية الواجبة بالمتن في حين أن هذه لن يعنوا بالمتن إلا بالبحث عن العلة القادحة أو الشذوذ من باب إتمام الأمر لا من باب تأسسه أو حتى المساواة بين الأمرين مما جعل ضوابط حكمهم على الحديث ما هي إلا مجرد ضوابط شكلية لا تمثل قيمة بالنسبة لصحة المرويات" (السنة: 52 - 53) ويقول البنا تأكيدا لذلك عند إنكاره لبعض الأحاديث المتواترة في هذه الموضوعات مع وجود علل في روايات بعض الأحاديث التي تعالج أصولا هامة يصور جريرة التعويل على السند وليس المتن"(السنة:"
(يُتْبَعُ)