فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكذا لهم هذيانات أخر في حقها رضي الله تعالى عنها، ولكنها لا تصل إلى جحد ما علم من الدين بالضرورة على ما لا يخفى على المنصف، وذلك مثل زعمهم ان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فوض طلاقها بعد وفاته إلى علي كرم الله تعالى وجهه، وأنه رضي الله تعالى عنه طلقها يوم الجمل، فخرجت من أمهات المؤمنين، وهو حديث خرافة، تضحك منه الثكلى.وأما تفضيل علي كرم الله تعالى وجهه على الأنبياء عليهم السلام غير نبينا وإخوانه من أولي العزم من المرسلين صلى الله تعالى وسلم عليه وعليهم أجمعين، فهو مما اتفقوا عليه فيما أعلم، كما اتفقوا على أنه كرم الله وجهه ليس بأفضل من نبينا عليه الصلاة والسلام، نعم توقف بعضهم كابن المطهر الحلي وغيره في تفضيله على من عداه صلى الله تعالى عليه وسلم من أولي العزم، وذهب بعض آخر إلى مساواته لهم عليهم السلام، وكذا تفضيله كرم الله تعالى وجهه على الملائكة عليهم السلام متفق عليه فيما بينهم فيما أعلم، ولهم في ذلك أيضًا هذيانات كثيرة.
لكن قصارى ذلك كل ما قالوه جحد تفضيل الأنبياء عليهم السلام على من سواهم، وأنه لا يبلغ ولي درجة نبي، وجحد تفضيل الملائكة عليهم السلام على من عدا الأنبياء من البشر، وأنه لا يبلغ مؤمن تقي غير نبي درجتهم في الفضل، وليس ما جحدوه مما علم من الدين بالضرورة بل لم يقم عليه قاطع.
وقد قال العلامة الثاني السعد التفتازاني: (( حكى عن بعض الكرامية إن الولي قد يبلغ درجة النبي بل أعلى ) )، انتهى.
وحيث لم يجمع على تكفير الكرامية علم أن المسألة خلافية، وأن لا قاطع فيها، وقال الّلقاني في شرحه الأوسط (لجوهرة التوحيد) ، قال أبو المظفر السمعاني: اتفقوا على إن العصاة والسوقة من المؤمنين دون الأنبياء والملائكة عليهم السلام، وأمّا المطيعون الصالحون، فاختلفوا في المفاضلة بينهم وبين الملائكة عليهم السلام على قولين، انتهى.
وقد حكى ابن يونس المالكي هذين القولين اللذين أشار إليهما السمعاني، ثم قال: والأكثر منا على أن المؤمن الطائع أفضل من الملائكة عليهم السلام.
وفي (منهج الأصلين) أيضًا متصلًا بما مر: وأما الصالحون من البشر من غير الأنبياء عليهم السلام، فأكثر العلماء على تفضيل الملائكة عليهم، وعندنا أن من كان منهم تقيًا نقيًا موقنًا إلى الموت على ذلك، قد يفضل على الملائكة باعتبار المشاق في عبادته مع ما فيه من الدواعي إلى الشهوة وغيرها، لاسيما من كان خليفة لسيد الأولين والآخرين صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، انتهى، انتهى كلام اللقاني.
نعم قال أبو حيان في تفسيره المسمى (بالبحر) عند الكلام في قوله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) ، ومن ذهب إلى أن الولي أفضل من النبي فهو زنديق يجب قتله )) انتهى.
لكن يمكن حمله ولو على بعد على أن المراد من ذهب إلى أن كل ولي صغيرًا كان أو كبيرًا أفضل من كل نبي من أولي العزم كان أو لا فهو زنديق؛ وبالجملة كلتا المسألتين خلافية، ولا قاطع في نفي أو إيجاب فيهما على ما لا يخفى على المنصف.
وقال بعض الأفاضل: إن تكفير الأثني عشرية فيما ذهبوا إليه من التفضيل هو مذاق الفقهاء المكتفين في المطالب بالظواهر، وعدم تكفيرهم فيه هو مذاق المتكلمين الملتزمين للقواطع في ذلك، وأنا أقول ما ذهبوا إليه مما هو مفصّل في محله، إن لم يكن كفرًا فهو من الكفر أقرب، ونحن قد ذكرنا لك أصلًا في التكفير وعدمه فلا تغفل عنه والله تعالى العاصم.
وفي الشفاء للقاضي عياض وشروحه كشرح الخفاجي وغيره في هذا المقام كلام نفيس ينبغي الاعتناء به والاهتمام فارجع إليه متأملًا، والله تعالى الموفق للصواب آخرًا وأولًا.) إهـ كتاب (نهج السلامة في أحكام الإمامة) للعلامة أبي الثناء الألوسي.