فهرس الكتاب

الصفحة 12931 من 28557

وعلى ذلك، فان الباحث في الإسلام بحسب النظرة الاركونية يجب أن"يتحرر من كل المسلمات واليقينيات التي يتلقاها منذ الطفولة من بيئته وعائلة أو من دينه ومذهبه، لأن هذا التحرر يمثل الشرط الأولي والضروري من اجل أن ينخرط في ساحة البحث العلمي والتحريري المعاصر"وبهذا يريد أركون من المسلم أن لا يكون مسلما إلا في سياقه الإنساني وليس الديني ليكون شريك العالم المعاصر المتحضر، مسلما فاقدا لعقيدته وأخلاقه وقيمه ومتجردا عن أي روابط ووشائج إيمانية مع ربه، حتى يصبح إنسانا عالميا يرتبط بالنظام العلماني الممأسس حداثويا على المنتج المعرفي العقلاني كما في الغرب.

هكذا تغدو الديانة الإسلامية في نظر أركون عقيدة اسطورية من مخاييل أو تخاريف عقلية ذات منتج إنساني قابلة للتأويل العقلاني الخارج عن حاكمية اللغة كأي أسطورة إنسانية تخضع للنقد والتحليل الأدبي، مثلها مثل أي نص بشري، حاملا على عاتقه - أركون - مهمة العلمانية الحداثوية العقلانية والمشوار التكميلي للدراسات الاستشراقية بعقل أعجمي ولسان عربي مبين؛ ليهاجم الأصول الإسلامية ويقوض المقدس في الوعي الإسلامي بنزوعه عن مضامين الوعي الحق وشرف معانيه، ووصفه في سياق تراثي خاضع للنقد، والتفحص، والتنقل، والتحول، حتى تنهار الفروع تباعا بعد أن تتفكك الأصول مغنية في ذلك عن الطريقة العلمانية الكلاسيكية التي كانت تتمركز في الاجتزاء الموضوعي بحسب المقتضى المعرفي في دائرة البحث ومجال التداول السائد آنذاك القائم على أسس المفاصلة بين الشؤون الروحية والشؤون الزمنية.

إن محمد أركون وهو يكرس لإلغاء الشريعة الإسلامية من العقل الإسلامي تحت اسم مشروع"نقد العقل الاسلامي"، فانه يكرس في المقابل جاهلية بمفاهيم حديثة، علموية الشكل، عقلانية الطابع، بشرية المضمون، وهو ينفض عنه آخر وشيجة إيمانية بالقول"إن الخطاب القرآني قد صيغ لغويا بصفته جهدا ذاتيا مبذولا لرفع نفسه إلى مستوى كلمة الله الموحى بها"، وهو ما يعنى أن الخطاب القرآني ليس مرتبطا بالوحي ولا هو من عند الله تعالى،إنما هو خطاب بشري صاغه الرسول صلى الله عليه وسلم لغويا ليعبر فيه عن معتقده القابع من المخيال، الهذيان، العادة، التقليد،أساطير الآباء وخرافاتهم - كما في سائر المجتمعات الإنسانية - ونسبتها إلى كيان متعال عن الحس"الله"، تعالى الله عن ذلك ورسوله علوا كبيرا.

ولكن، وفي الختام، لعلنا نتساءل ما دام أن أركون عرض للقران وآياته بالتحليل والنقد كما يدعي، هل أوقع نفسه تحت التساؤل القرآني ولو مرة واحدة وهو يحاول أن يخضع القران للتحليل المجتمعي والتاريخي ليكرس فكرة الانسنة، إذ يقول الله تعالى متحديا هذه الشاكلة"وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) " [البقرة:23 - 24] .

هل حاول أركون أن يأتي بمثل هذا القران أو يبدله مادام أنه منتج إنساني يحاول أن يرفع نفسه إلى مستوى كلمة الله الموحى بها كما حاول أسلافه في العصر الجاهلي وفشلوا فآمن منهم من آمن، وعاند منهم من عاند مع اعترافه بالعجز وبقي على كفره ووضعانيته؟

أعتقد أن ذلك جواب كاف لأركون ومن سعى سعيه في هذه المهاترات الفكرية والنباشات السخيفة في أعماق حاويات نفاية الفكر الفلسفي الغربي ومؤسسات الهدم العقدي وتسويقها على المسلمين بمسميات الحداثة والتقدم، وكأن جلب الحداثة رهن بزوال العقيدة، وإذ ذاك، إلا متابعة حثيثة لسير خطى الدراسات الاستشراقية الاستعمارية في المزيد للإساءة إلى الإسلام وحيا وكتابا ونبيّا، لزعزعة البناء العقدي حيث يستقي المؤمن سر الحياة وسر القوة والدفع عن مقدسه وكيانه"."

أهم المراجع والتعريفات:

1.عبد الرحمن الحاج/ جريدة الغد الأردنية (28. كانون الثاني. 2008) .

2.مقابلة تركي الدخيل مع أركون/ قناة العربية (3 مارس 2008) .

3.لقاء محمد الحروب مع محمد أركون/ قناة الجزيرة (10. 12. 2006) .

4.أقطاب العلمانية - طارق منينة.

5."معجم الفلاسفة".

6.الحداثة في فكر محمد أركون / فارح مسرحي.

7."ضوابط في فهم النص"، الدكتور عبد الكريم حامدي / سلسلة كتاب الأمة.

8.مبحث الدكتور محمد بن سعيد السرحاني، الاتجاهات الحديثة للمستشرقين ومن تابعهم في تفسير القران الكريم /مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد (70) .

مجلة الراصد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت