فهرس الكتاب

الصفحة 13071 من 28557

يقول حين سرى الى نفسى الهدوء المخيم على أرجاء القرية الموشكة على الهجوع ,فانسابت أفكارى في مجراها العميق هادئة هى الأخرى , وأحس رفيقى بأن حبل الصمت قد طال أكثر مما ينبغى فسألنى بلطف.ماذا بك؟ فأجابته بلاشئ غير أن المرء اذا انتقل من الضجيج المضاعف في المدينة الى السكون المضاعف في القرية شعر كأنه يهبط في هاوية من الصمت لاقرار لها , ثم ألست ترى هذه الأفاق المغبرة تستقبل المساء القادم البطئ؟ ان هذه الغبرة نضجت على القرية من المتربة التى تعيش فيها أبدا.

قال لى صديقى - محاولا الفرار بى من هذه الأفكار الكئيبة -. دعك من هذه الخيالات ولاتنس أن فلانا ينتظر حيث تواعدنا على اللقاء جميعا عند شاطئ النيل , ان مجلسنا هناك حافل بالأحاديث الشائقة وان كانت أرضه مفروشة بالحشائش الجافة وحدها!

ويمينا شطر المجلس العنيد , واذا بالطريق اليه يعترضها مستنقع راكد من هذه المستنقعات التى يصنعها رشح الفيضان , وتتخلف فيها مياه المطر , فتوقفت كارها واستئنفت صمتى الأول , ثم أرسلت الطرف الى الشاطئ الأخر للبحيرة الضحلة , ودرت به حول حدودها , ولكننى لم أتبين من معالمها الا القليل , انه ليل أشد سوادا من أفئدة المجرمين , توارت في طياتها هذه الدور المبعثرة بما ضمت من انسان و , وكانها ألفت وحشته المريبة , فما تخلعها عن جدرانها البالية في ليل أو نهار , وقرع أذنى صوت غناء ينبعث من بعيد , غناء صبية يسمرون ويلعبون غير أن الحان غنائهم كانت تشق حجاب الليل , وتخترق صمته كما يشق الخنجر الحاد الأديم الحى. واختلج فؤادى اختلاجا عنيفا , اذ كانت نيران غنائهم تكتنفها الكآبة وتغزو المشاعر بمزيج من الحسرة والتفجع! ما هذا؟

وأعرب انتباهى للصدى المتماوج مع هبات النسيم على صفحة المستنقع , واستطاعت أذناى أن تلتقطا من أبيات المقطوعة التى يغنبها الأطفال هذا البيت الحزين

يا ليل! ياليل! ياليل! غريب! أبيت فين؟

قلت لرفيقى في لهفة , ماهذا الكلام ياأخى؟ من هذا الغريب؟ وماهذا المبيت؟ ومالذى جمع الاولاد على هذا النشيد الحزين؟

قال صاحبى - وقد سره أن يجد مجالا للحديث يطرد به وطأة الصمت -. ان هذا الغناء نشيد القرية الدائم , ومرتلوه هم الصبية الفعلة من الفلاحين الفقراء , انهم يرحلون الى التفاتيش الكبرى بالمئات للعمل فيها , وهم يتزودون لهذه الترحيلات المضنية مما ثقل حمله ورخص ثمنه خبز جاف وجبن وملح , فاذا ملأوا بطونهم من هذه الأطعمة , كرعوا من قنوات الرى ماتفيض به من الماء العكر, حتى اذا أواهم الليل وجدوا في اصطبلات الخيل متسعا يضم أجسامهم المتعبة , وهم بين مهاد الغبراء ولحاف الأجواء يطلقون حناجرهم بما سمعت من غناء. في حين كان صاحبى يتكلم عاد الصدى السارع يقرع آذانى , بل يقرع أبوا قلبى, ويثير كوامن الحنان والأسى فيه! الغناء الكئيب يناجى الليل مرة أخرى.

ياليل! ياليل! ياليل! غريب أبيت فين؟

حيران! مابرتاح يوم والراحة تيجى منين؟

فقلت- وأنا أهمس في نفسى- يا أولادى لستم غرباء انه وطن آبائكم وأجدادكم , ومن حقكم أن تبيتوا فيه ناعمين , لعن الله من ظلمكم وجعل طفولتكم تنبت في هذا الهوان!.

ان أمثالكم يحيون وادعين في امم الأرض الأخرى لاتشردهم الا الحروب والغارات الطارئة. أما أنتم فمشردون أطفالا ومشردون رجالا! في غير حرب ولا ضرب ,. الا حرب الأوضاع الظالمة وضرب المجتمع الغشوم! فقال رفيقى - ولعله استحمقنى-.- بماذا تهمس؟ فأسرعت الى اجابته (لاشئ)

واستطردت. وكيف يعودون من هذه الترحيلة؟ فقال. أتذكر الأوبئة التى تصيب الدواجن في البيوت والدواب في الحقول؟ ان هذه من تلك.طعام حقير وعمل من قبل الشروق الى ما بعد الغروب , وأسواط المراقبين القاسين تلهب ظهر من يتوانى في أداء الواجب , بل قد تلسع المشتغل حتى لايفكر في الكسل! وأجور ضئيلة يأكل نصفها السماسرة. وأيام متطاولة على هذا النحو العصيب مما يجعل الأولاد المحرومين من أحضان آبائهم يشعرون بالغربة , فهم يبثون الليل شكراهم الصارخة , ثم يعودون اما الى القبور واما الى الدور. قاذا ساورتهم أحداث الماضى في حاضرهم المنكود نزعوا الى الغناء , كما سمعت

فقلت. كم يجنح هذا الشعب الى الغناء الحزين ينفس فيه عن آلامه المكظومة , وكم سمعت أبناء الوجهين القبلى والبحرى يطلقون حناجرهم زرافات ووحدانا , يطلبون لدى (المجهول) ما لم يجدوه لدى (الواقع) لكنهم لايجدون شيئا! الا اذا كان هؤلاء الأطفال الغرباء في وطنهم قد وجدوا المبيت الذى يلتمسون!

وعادت أمواج الظلام تحمل غناء المظلومين المتواثبين على شاطئ المستنقع.

ياليل 1 ياليل! ياليل! غريب! أبيت فين؟

يا ما أرخص الانسان يتهان وراء قرشين

ياليل 1 ياليل! ياليل! غريب! أبيت فين؟

وأمى وأبوى الاتنين يبكوا بدمع العين

انتهى

وأنا أسأل لماذا يكون أولياء أمرنا المحترمين دوما ودائما حرصين على قتل الطفولة وهم لا يستفيدون منهم بينما الاولياء الاقدمين الذين عاصرهم الشيخ الغزالى كانوا يستفيدون بشكل مباشر

لعل الحواب يكون بأن القوم بلغوا الى درجة من الجهل والغبار لا يدرك ما كنهها وصدق الشيخ الغزالى اذا يقول في هذا الكتاب النفيس أن ليس لهم حل الا بأن يجتثوا من الارض اجتثاثا

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت