فهرس الكتاب

الصفحة 13076 من 28557

عَلَيْهِ السَّلَفُ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ:"مِنْهُ بَدَأَ"أَيْ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ لَمْ يَبْتَدِ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قَالَتْ الجهمية الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ قَالُوا: خَلْقُهُ فِي غَيْرِهِ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَخْلُوقِ وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَخْلُوقِ لَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لَا سِيَّمَا والجهمية كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَهُمْ غُلَاةٌ فِي الْجَبْرِ وَلَكِنْ الْمُعْتَزِلَةِ تُوَافِقُهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ وَالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَتُخَالِفُهُمْ فِي الْقَدَرِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ فَإِذَا كَانَ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ مَا سِوَاهُ لَزِمَهُمْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ كَلَامٍ كَلَامَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَبِيٍّ الطَّائِيُّ - وَكَانَ مِنْ غُلَاةِ هَؤُلَاءِ الجهمية يَقُولُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ - قَالَ: وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ وَلِهَذَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ داود الْهَاشِمِيُّ - نَظِيرُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ الَّذِي قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْت أَعْقَلَ مِنْ رَجُلَيْنِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ داود الْهَاشِمِيِّ - قَالَ: مَنْ قَالَ: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا} مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ. وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقًا كَمَا زَعَمُوا فَلِمَ صَارَ فِرْعَوْنُ أَوْلَى بِأَنْ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ إذْ قَالَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا مَخْلُوقٌ؟. وَمَعْنَى ذَلِكَ كَوْنُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} كَلَامًا قَائِمًا بِذَاتِ فِرْعَوْنَ فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا} كَلَامًا خَلَقَهُ فِي الشَّجَرَةِ كَانَتْ الشَّجَرَةُ هِيَ الْقَائِلَةُ لِذَلِكَ كَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ الْقَائِلُ لِذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ جَعْلُ الشَّجَرَةِ إلَهًا أَعْظَمَ كُفْرًا مِنْ جَعْلِ فِرْعَوْنَ إلَهًا. والجهمية وَالْمُعْتَزِلَةُ لَمْ يَقُمْ عِنْدَهُمْ بِذَاتِ اللَّهِ لَا طَلَبٌ وَلَا إرَادَةٌ وَلَا مَحَبَّةٌ وَلَا رِضًا وَلَا غَضَبٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُجْعَلُ مَدْلُولَ الْأَصْوَاتِ الْمَخْلُوقَةِ. وَلَا قَامَ بِذَاتِهِ عِنْدَهُمْ إيجَابٌ وَإِلْزَامٌ وَلَا تَحْرِيمٌ وَحَظْرٌ فَلَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ الْمَخْلُوقِ فِي غَيْرِهِ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا خَلَقَهُ فِي الْجَمَادِ وَمَا خَلَقَهُ فِي الْحَيَوَانِ. وَكَانَ مَقْصُودُ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْقُرْآنِ وَسَائِرِ كَلَامِهِ. وَأَنَّهُ مِنْهُ نَزَلَ لَمْ يَنْزِلْ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ: إنَّ الْقُرْآنَ قَدِيمٌ وَإِنَّمَا قَالُوا هُوَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَقَالُوا لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا إذَا شَاءَ وَمَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَكَمَا شَاءَ وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إنَّ اللَّهَ فِي الْأَزَلِ نَادَى مُوسَى وَلَا قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَقُولُ يَا آدَمَ يَا نُوحُ يَا مُوسَى يَا إبْلِيسُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ. وَلَكِنْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ اتَّبَعَ السَّلَفَ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا إذْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ إلَّا هَذَا وَهَذَا وَهَؤُلَاءِ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت