فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أبو محمد العمري] ــــــــ [09 - Feb-2009, مساء 01:03] ـ
بارك الله فيكم أخى الحبيب أبا القاسم
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله ما مختصره:
هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان. وأن يقفوا أمامها طويلًا. ذلك أنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها.
لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلًا مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه. ثم لم - تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى. نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ. ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم، في مكان واحد، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة.
هذه ظاهرة واضحة واقعة، ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه، طويلًا لعلنا نهتدي إلى سرِّه.
إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه العملي، وسيرته الكريمة، كلها بين أبدينا كذلك، كما كانت بين أبدي ذلك الجبل الأول، الذي لم يتكرر في التاريخ .. ولم يغب إلا شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهل هذا هو السر؟
لو كان وجود شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتميًّا لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها، ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة، وما وكّل إليها أمر الناس في هذه الأرض، إلى آخر الزمان. .
ولكن الله - سبحانه - تكفل بحفظ الذكر، و علم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبمكن أن تؤتي ثمارها. فاختاره إلى جواره بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الرسالة، وأبقى هذا الذين من بعده إلى آخر الزمان. . وإذن فإن غيبة شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تفسر تلك الظاهرة ولا تعللها.
فلنبحث إذن وراء سبب آخر. لننظر في النبع الذي كان يستقي منه هذا الجيل الأول، فلعل شيئا قد تغير فيه. ولننظر في المنهج الذي تخرجوا عليه، فلعل شيئا قد تغير فيه كذلك.
كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو القرآن. القرآن وحده. فما كان حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه إلا أثرًا من آثار ذلك النبع. فعندما سُئلت عائشة رضي الله عنها - عن خُلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: (( كان خُلقه القرآن ) )أخرجه النسائي.
كان القرآن وحده إذن هو النبع الذي يستقون منه، ويتكيفون به، ويتخرجون عليه، ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة، ولا ثقافة، ولا علم، ولا مؤلفات، ولا دراسات. . كلا! فقد كانت هناك حضارة الرومان وثقافتها وكتبها وقانونها الذي ما تزال أوروبا تعيش عليه، أو على امتداده. وكانت هناك مخلفات الحضارة الإغريقية ومنطقها وفلسفتها وفنها، وهو ما يزال ينبوع التفكير الغربي حتى اليوم. وكانت هناك حضارة الفرس وفنها وشعرها وأساطيرها وعقائدها ونظم حكمها كذلك. وحضارات أخرى قاصية ودانية: حضارة الهند وحضارة الصين إلخ. وكانت الحضارتان الرومانية والفارسية تحفان بالجزيرة العربية من شمالها ومن جنوبها، كما كانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة. . فلم يكن إذن عن فقر في الحضارات العالمية والثقافات العالمية يقصر ذلك الجيل على كتاب الله وحده .. في فترة تكونه .. وإنما كان ذلك عن (( تصميم ) )مرسوم، ونهج مقصود. يدل على هذا القصد غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد رأى في يد عمر بن الخطاب - رض الله عنه - صحيفة من التوراة. وقوله: (( إنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني ) )رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي جابر.
وإذن فقد كان هناك قصد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقصر النبع الذي يستقي منه ذلك الجيل .. في فترة التكون الأولى. . على كتاب الله وحده، لتخلص نفوسهم له وحده. ويستقيم عودهم على منهجه وحده. ومن ثم غضب أن رأى عمر بن الخطاب - رض الله عنه -يستقي من نبع آخر.
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد صنع جيل خالص القلب. خالص العقل. خالص التصور. خالص الشعور. خالص التكوين من أى مؤثر آخر غير المنهج الإلهي، الذي يتضمنه القرآن الكريم.
ذلك الجيل استقى إذن من ذلك النبع وحده. فكان له في التاريخ ذلك الشأن الفريد .. ثم ما الذي حدث، اختلطت الينابيع.! صبت في النبع الذي استقت منه الأجيال التالية فلسفة الإغريق ومنطقهم، وأساطير الفرس وتصوراتهم. وإسرائيليات اليهود ولاهوت النصارى، وغير ذلك من رواسب الحضارات والثقافات. واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكرم، وعلم الكلام، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا. وتخرج على ذلك النبع المشوب سائر الأجيال بعد ذلك الجيل، فلم يتكرر ذلك الجيل أبدًا.
وما من شك أن اختلاط النبع الأول كان عاملًا أساسيا من عوامل ذلك الاختلاف البيِّن بين الأجيال كلها وذلك الجيل المميز الفريد.
أخي الفاضل #### بل هو صفة متجذرة في العرب، وللأسف الشديد تجده اليوم في المتدين وغير المتدين على حد سواء. فالناس يظنون الدين هو فقه العبادات فقط، أما أبواب المعاملات، فهي حبيسة الكتب الصفراء!
ولذلك تجد البغي والاستبداد داخل الجماعات الإسلامية نفسها! وتجده على جميع الأصعدة في المجتمع من الأسرة إلى العمل. بينما تجد أهم ميزة أدت لسيادة الروم هي التي جاءت في الحديث: أنهم أمنع الناس عن ظلم الملوك. هذا على فسقهم وضلالهم، لكنهم فعلًا أمنع الناس من ظلم الملوك. فملوكنا لم يأتوا من المريخ بل هم من مجتمعنا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً ولا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً
وهذه كلمة تكتب بماء الذهب
فعلًا تكتب بماء الذهب
أحسنتم فضيلة الشيخ محمد الأمين.
(يُتْبَعُ)