فهرس الكتاب

الصفحة 13396 من 28557

فقدت العاكفين والركع السجود الذين يعمرونها آناء الليل وأطراف النهار، فقد كانت المساجد فيما مضى بيوتًا للعبادة ومدارس العلم وملتقى المسلمين ومنطلقهم، فيها يتعارفون ويتآلفون ومنها يستمدون الزاد الأخروي ونور الإيمان وقوة اليقين، بها تعلّقت قلوبهم وإليها تهوى أفئدتهم، هي أحب إليهم من بيوتهم وأموالهم، فلا يملون الجلوس فيها وإن طالت مدته، ولا يسامون التردد عليها وإن بعدت مسافته، يحتسبون خطاهم إليها ويستثمرون وقتهم فيها فيتسابقون في التبكير إليها.

هذه حالة السّلف في المساجد. واليوم كما تعلمون كثر التأخر عن المساجد وقل الجلوس فيها، ففات بذلك من الخير الكثير على الأمة، وضعفت منزلة المساجد في قلوب كثير من الناس، وقلّ تأثيرها فيهم، فظهر الجفاء، وتناكرت القلوب، وتفكّكت الروابط، حتى صار الجار لا يعرف جاره، ولا يدري عن حاله.

فأعيدوا للمساجد مكانتها في قلوبكم، وبكروا في الذهاب إليها، وأكثروا من الجلوس فيها، واسمعوا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحث على المشي إلى المساجد والجلوس فيها لعلكم تذكرون، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صلاة الرجل مع الجماعة تضعف على صلاته ببيته وفي سوقه خمسًا وعشرين درجة، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لا يُخرجه إلاّ الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة".

وروى مالك في الموطأ:"من توضّأ فأحسن الوضوء ثم خرج عامدًا إلى الصلاة فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة، وأنه يُكتب له بإحدى خُطوتيه حسنة ويُمحى عنه بالأخرى سيئة، فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يسع فإن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا"قالوا: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطا.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال:"إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط".

وعن بُريدة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"بشّر المشّاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها".

لقد عظّم الله شأن المساجد وأثنى على الذين يعمرونها بالطاعة ووعدهم جزيل الثواب، قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) .

د. صالح بن فوزان الفوزان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت