ويبقى هناك العامل الكبير والمؤثر في الصراع وهو التوجيه والتأثير السياسي الخارجي على المثقفين في مجتمعاتنا، وهو -في أكثر الأحوال- الذي يصنع بيئة الموقف العام، من هذه القضية ومن غيرها، فالمثقفون والعلماء في المناطق الخاضعة للغرب متأثرون في الغالب وليسوا مؤثرين، ومن أهم الأدوار المنوطة بهم - بوعي ودونه-هو صياغة موقف معاد لأفكار الحرية والاستقلال، ولكل دولة ولكل جماعة أو حزب أو طائفة تحاول الاستقلال والتحرر، وتصنع لها المتاعب والحصار والدعاية السوداء، وتهمة الإرهاب جاهزة لكل متحرر من ربقة المحتلين؛ وهناك صناعة ثقافية متقدمة، ومهارة جبارة لصنع عقلية التبعية الجامعة، وإنتاج تفلسف ومنافع ومصالح وهمية غالبا تحسن للمثقفين ولشعوبهم منافع أن يبقوا عبيدا أبد الدهر في حقول المستعمرين.
والغربيون نجحوا في سياسة الترويع لنا دائما من أنفسنا ومن أفكارنا ومن الآخرين المخالفين لهم، إنهم يروعوننا ليل نهار حتى يضمنوا أن تبقى المجتمعات الإسلامية والثروات في أحضانهم أطول مدة ممكنة، فكلما زاد التخويف والترويع من إيران أو من صدام قبلها ضعف التصرف والقرار الداخلي، وأسلمت هذه المناطق أنفسها وثروتها وعقولها للقوى الغربية، وتقبل بالشلل وبالتبعية، وتخضع لسماسرة توزيع العبودية. فهذه الخدمات لها وسطاء يربحون من نشرها ومن تقييد المجتمعات بها.
ولهذا نشاهد موت الحياة السياسية في المناطق الخاضعة، وضعف القدرة على طرح القضايا الكبرى، فقد أصبحت محرمة، وساد بدلا منها ثقافة التبعية بألوانها، وسادت ثقافة الأوهام، أو التكبير جدا من القضايا الصغيرة جدا.
أما المشايخ فتصور لهم الأمور بأكثر من الواقع، ولديهم رصيد معرفي تاريخي يلجؤون إليه وهو مليء بالخلافات المذهبية والصراعات العنصرية، فكل أخبار الباطنية والمنحرفين في شتى العصور جاهزة، أو هي تاريخ حي يمسك بالعقول فلا تستطيع الوعي، ويمسك باللغة فلا تخرج عن المفردات القديمة؛ فينتج هذا -غالبا دون قصد- المساندة السياسة للقوى الاستعمارية، لأن من لديه الاستراتيجية للحل يستطيع أن يحصد مواقف الآخرين وإن كانوا مخالفين، أو رأس مالهم كلام، فيستثمرها من يصنع منها قوة سياسية وعسكرية وفكرية
وليس القصد هنا اتهام أي جهة فهذا لا يليق أن يطلق قول على عمومه، ولكن المثقف الواعي لا يفوته، وليس صحيحا اعتبار الشيخ ولا السياسي قادما من لا مكان ولا زمان ولا عاطفة ولا مصلحة ذاتية كانت أم ذات صفة عامة، وقد يريد الجميع الخير ولا يوفقون له، وطلب الحق يجب أن نسعى إليه ولا ندعيه، وفي هذه القضايا المصلحية ليس معنا ولا مع غيرنا نصوص.
وعلى الموجهين والمؤثرين أن يدركوا أن بأيديهم أسلحة هي أخطر في أثرها مما يظنون، فلا يطلقوا العنان في لحظة نشوة، ويغفلوا آثار الدهور القادمة، وما يمكن أن يزرعه موقف في غير مكانه من سلبيات يثمر بها. كنقد الفرس عامة، وإبعادهم عن الإسلام، وجمع الأخبار المضرة، والأساطير القديمة، فالفرس قديما خرج منهم جلة من علماء المسلمين ومبدعيه، وكانوا ثمرة للوحدة الفكرية التي كانت تتعالى على العنصرية وتمجد إنتاج الأفراد، ولا تسألهم عن نسب جداتهم ولا أبشارهم، وكانت تلك ولم تزل سلوك الأمم القوية، فالأمريكي في ذروة قوته لم يسأل ولم يفكر في أن يقف عند نسب الذين صنعوا له القنبلة النووية، وأنهم ألمان ومن دولة تقتلهم صباح مساء. والأمة المسلمة في ذروة قوتها لم تسأل أبا حنيفة ولا الغزالي ولا صلاح الدين ولا غيرهم عن نسب آبائهم. فقد كان كثير من مجد المسلمين العلمي والإداري من هذه الشعوب غير العربية.
تقسيم الإسلام والموقف منه
1 -إن الإسلام واحد، وليس هناك إسلام سني وإسلام شيعي، وليس التقسيم صحيحا في منظوره الإسلامي، ولا يؤدي دوره بعد تغييره، فإن المسلمين عندما واجهوا الانقسامات فقد كانوا يتحدثون عن الإسلام دين جمهور الأمة، أو"الجماعة"-المصطلح غلب استخدامه في المغرب الإسلامي- أما الفرق والطوائف المخالفة فإنها تولد وتموت، وتهتدي وتتطرف، ولكن المسلمين لا يغيرون تسمية أنفسهم من أجلها، فهي في قاموسهم طوائف، ونحل، وأهواء، عليها تسمية أنفسها بما يميزها عن الأمة عموما، أما الإسلام فهو واحد فقط، وقد كانت هذه إجابة علماء الإسلام قديما، إن الطوائف تسمي نفسها شيعة معتزلة قدرية
(يُتْبَعُ)