فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وحيث إن اليهود كانوا يريدون أرض فلسطين خالصة لهم كحد أدنى لم يبدوا أي مرونة مع أي اتجاهات، ولم يحاولوا إنهاء الاحتلال، بل بالعكس حاولوا تغيير الهوية الإسلامية للشعب الفلسطيني؛ لأنهم يريدون تغيير هوية الأرض ذاتها.
إلى أن نمت المقاومة الإسلامية وقامت بالانتفاضة الأولى والتي أرغمت إسرائيل على تحرير جزء من أرض فلسطين في مقابل طمس هوية من يعيش عليه؛ بحيث تخرج أجيال لا ترى أن بينها وبين اليهود صراعا على الأرض فضلا عن الدين.
وهذا النمط وإن سيطر على الضفة الغربية إلا أن (حماس) ممثلة للتيار الإسلامي- سيطرت على غزة، ومن هنا تركزت المواجهة بين اليهود والفلسطينيين في غزة مع نوع من تنشيط جبهة الضفة بين الحين والآخر ببعض الغارات والتوغلات.
وإذا كان الإعلام الإسرائيلي قد نجح في إيجاد حالة توتر دائم في العلاقة بين الأنظمة الحاكمة والحركات الإسلامية داخل أراضيها، وفي العمل على تصعيد حدة المواجهة مع من يواجه، وإلقاء بذور الشك والريبة مع من لا يواجه؛ فقد قام بنفس الدور بين الأنظمة العربية و (حماس) -بصفتها سلطة حاكمة فعليا في غزة- مع أن حماس لم تطبق الشريعة في غزة؛ وإنما أذكت روح الصراع مع اليهود من مطلق الجهاد الإسلامي، وليس الصراع على الأرض فقط وأوجدت نماذج من الالتزام بالطاعات من تشجيع حفظ القرآن، والمحافظة على صلاة الجماعة، ونحو ذلك ...
والمقام هنا ليس مقام بيان مدى مشروعية ذلك من عدمه، ولكن المقام مقام بيان أن (حماس) مارست قدرا كبيرا من السياسة بمفهومها المعاصر، وكانت في طريقة تطبيقها للإسلام مشابهة لبعض الصور المطبقة من الأنظمة المدنية في بعض العواصم العربية.
ولكن الإعلام الغربي لم يفته التذكير الدائم بالجذور الإخوانية لحركة حماس ومحاولة الإيحاء إلى الأنظمة أن سيطرة حماس على قطاع غزة يساوى سيطرة الإخوان على العواصم العربية.
متناسين كل الفروق التي نوَّهْنا إليها من الفروق بين (حماس) الفلسطينية، وبين أي تيار إخواني في أي بلد إسلامي آخر.
وفي المقابل استثمر اليهود حالة المرارة التي يجدها الفلسطينيون في حلوقهم من تكرار الشجب والإدانة بلا مساعدة فعالة لاسيما مع خرق إسرائيل لكل القواعد المعتبرة، وحتى لقواعد القانون الدولي؛ فصاروا يشيرون إلى أنَّ الشجب والإدانة ليس إلا تمثيلية يشارك فيها الجميع، وإن العواصم العربية هي التي تُبارك إبادة أهل غزة.
ومن وراء المشهد ظهرت إيران وحزب الله يريدون فرض الولاية على حركات الجهاد السنية، وكم كنا نتمنى أن يكون شرع الله مطبقا في جميع بلاد المسلمين، وكم كنا نتمنى لو اختفى مصطلح الإسلاميين ليكون كل المسلمين -كما هو واجب عليهم- ساعين إلى إعلاء كلمة الله في الأرض، وكم ... وكم ...
ولكن حيث إن الواقع على ما وصفنا فلا اقل من توجيه نصيحة لعلها أن تجدي:
نصيحة إلى الأنظمة العربية:
لغة الدين تحتم عليكم نصرة إخوانكم المسلمين في غزة، ولغة الكرامة العربية تحتم على الأقل التبرؤ من دماء الأشقاء، وليت هذا كان واقعا حقيقيا وليس مجرد تصريحات إعلامية.
ولغة السياسة تقول: إن (حماس) مهما كان توجهها تمثل إرهاقا بالغا لعدو لا يُخفِي اشتياقه إلى حرب نظامية يستعرض فيها عضلاته العسكرية في سماوات مفتوحة.
لغة السياسة تقول: إن الحنق الشعبي الفلسطيني يمثل خطورة إستراتجية على أمن كل البلاد العربية والإسلامية.
كل اللغات تقول: كونوا بجوار حماس والمسلمين في غزة.
ونصيحة إلى حماس وإخواننا في فلسطين:
اصبروا واثبتوا، واعلموا أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، واعلموا أن معركتكم لا تقف عند حد السلاح مع اليهود، بل إن لكم معركة أخرى تديرها جيوش الضلالة الممثلة في وسائل الإعلام، والتي تلبس الحق والباطل لتضل الناس على بصيرة؛ فاحذروا أن تأتوا من الأفعال ما يُتخذ ذريعة لتشويه صورتكم، وإضعاف التعاطف معكم، لاسيما وإن من أخطر أمراض الأمة ضعف عقيدة الولاء والبراء إلى القدر الذي معه يمكن أن يتحول التعاطف معكم إلى عداوة وبغض تحت تأثير وسائل الإعلام وكيدها، وما الذي حدث في الحصار السابق منا ببعيد.
ليس من مصلحتكم تحويل الصامت أو المتعاطِف إلى خصم، ولا تحويل العداوة الكامنة إلى عداوة ظاهرة.
واعلموا أن أيادي الموساد موجودة في غزة، وفي سيناء، وفي الأردن، وفي كل العواصم العربية والإسلامية.
فحسبنا الله وحسبكم الله، هو نعم المولى ونعم النصير.
اطلبوا النصرة والمساعدة من بلاد المسلمين شعوبا وحكاما، ولكن لا تفتحوا ثغرات للشيطان بينكم وبين إخوانكم.
واعلموا أن تصحيح العقيدة وحسن الاتباع لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- هما بوابة النصر الحقيقية وإن خذلتكم الدنيا بأسرها، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا.
اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون برسلك ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم وألقِ في قلوبهم الرعب، وأنزل بهم رجزك وعذابك إله الحق.
وصلِ اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، والحمد لله رب العالمين
(يُتْبَعُ)