فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هذا الكلام الأخير معناه أن الفهم العصري الصحيح لدين الإسلام، والذي سوف يرضى عنه عبد الرحمن الراشد لم يوجد إلى الآن، وأنه لا يمكن أن يوجد حتى يتفرغ الغربيون ليدخلوا في دين الإسلام ثم يفسروه لنا تفسيرًا صحيحًا مطورًا وبروتستانتيًا متسامحًا! هذه النظرة الموغلة في التطرف لا تستحق الوقوف معها كثيرًا، لكن الذي يعنيني منها أنها أسقطت دعوى الراشد التي أطلقها في الحلقة الثانية من المكاشفات حين زعم أنه كان يرى في والده النموذج الصحيح لعالم الدين، وأنه ليس لديه مشكلة مع المتدينين ولا مع الوهابيين القدماء، وإنما مشكلته فقط مع التيار الصحوي المتأخر.
فمن الواضح الآن أن الراشد لديه مشكلة مع مسلمي المشرق كلهم لأنهم ـ في رأيه ـ يفهمون الدين فهمًا خاطئًا يفتقر إلى التسامح البروتستانتي العظيم! عبد الرحمن الراشد سبق أن كتب منتقدًا الجنود المسلمين في الجيش الأمريكي الذين يمتنعون عن القتال ضد إخوانهم المسلمين في العراق أو أفغانستان، ولما سأله الأستاذ عبد العزيز قاسم عن موقفه هذا، ذكر أنه فقط كان يشرح وجهة نظر (العالم الجليل) يوسف القرضاوي. وكأن الراشد نسي أو تناسي أنه سبق أن وصف ذلك (العالم الجليل) على صفحات الشرق الأوسط بأنه (زعيم فرقة التطرف) ، وأن (له دورًا خطيرًا في تخريب فكر المسلمين ودفعهم نحو الإيمان بالحرب والخطف والقتل) وأنه من (الشيوخ الحُمر) الذين يقومون بحركة انفصالية من خلال طرح أنفسهم بدلاء لمجامع الفتوى في العالم الإسلامي.
هكذا كان الراشد يصور القرضاوي لقرائه، لكن لما صدرت الزلة وأطلق القرضاوي فتوى أمريكية النكهة والهوى أحسَّ الراشد بطعمها وحلاوتها في حلقه، فتنبه حينئذٍ إلى أن القرضاوي: (عالم جليل) يستحق أن تفرد مقالة لشرح وجهة نظره. مما تساءل عنه الأستاذ عبد العزيز قاسم كثرة انتقادات عبد الرحمن الراشد لدولة قطر، مع أنها دولة صغيرة ليس لها تلك الأهمية الكبرى التي تستحق كل هذه الضجة. أجاب الراشد بأن انتقاداته سببها حالة التناقض و (الشيزوفرينيا) التي تمارسها قطر حين تنادي بالحريات وتمنع الآخرين من نقدها، وحين تريد أن تكون فلسطينية ثورية وخليجية نفطية في وقتٍ واحدٍ.
وقال الراشد إن الإعلام يبدِّد وقته في الحديث عن لبنان وهي أصغر من (قطر) ، ويتحدث كثيرًا عن (البحرين) مع أن (قطر) أكبر من البحرين (17) مرةً. لكن الراشد لم يتفطن إلى أن حالة التناقض و (الشيزوفرينيا) القطرية ما هي إلا فرع عن حالة تناقض أوضح لدولة أكبر من قطر بأكثر من (850) مرةً. الراشد يغضب ويعجب من (الشيزوفرينيا) القطرية، لكنه يهلل ويصفق لـ (الشيزوفرينيا) الأمريكية. هو يعجب من القطريين الذين يريدون أن يكون ثوريين وخليجيين في وقت واحد.
لكنه لا يعجب من الأمريكيين الذين يريدون أن يكونوا حماة للحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه يريدون أن يكونوا أنصارًا لجرائم الصهاينة في فلسطين. وقد رأيت الأستاذ عبد العزيز قاسم يلحُّ عليه في هذه النقطة، فلم يظفر منه إلا بإقرار واعتراف بوجود (أخطاء!) في السياسة الأمريكية في المنطقة! ولعل الراشد لم يشعر بـ (الشيزوفرينيا) الأمريكية بسبب امتلاكه لـ (شيزوفرينيا) مشابهة لها.
فقد رأيت التناقض والازدواجية ظاهرين في الكثير من كتاباته وطروحاته. من ذلك أن وزير الثقافة المصري حين تهجم على الحجاب وأثار لغطًا وجدلًا واسعين في مصر كتب الراشد مقالًا عنوانه: (النقد في المجتمعات الحية) أثنى فيه على الصحيفة التي نقلت تصريحات الوزير، وانتقد الذين قالوا إن نشر تلك التصريحات ليس في الصالح العام، واعتبر كلام الوزير نوعًا من النقد الذي هو جزء من الحياة السياسية الطبيعية. (الشرق الأوسط 8/ 11/1427هـ) .
(يُتْبَعُ)