فهرس الكتاب

الصفحة 13823 من 28557

فلما عرفوا عظمة المشترى وفضل الثمن وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع عرفوا قدر السلعة وأن لها شأنًا، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي من غير ثبوت خيار، وقالوا؛"والله لا نقيلك ولا نستقيلك"، فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل لهم؛"مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معها"، {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران:169 - 170] .

قال ابن كثير رحمه الله: (يخبر تعالى أنه عاوض من عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملك بما تفضل به على عباده المطيعين له، ولهذا قال الحسن البصري وقتادة؛"بايعهم الله فأغلى ثمنهم") .

ورحم الله ابن الجوزي يوم اعتلى المنبر وقام خطيبًا في الناس يحثهم على الجهاد والحفاظ على بيضة هذا الدين ودفع الكافرين عن ديار المسلمين، بعد أن تخلف الناس وتقاعسوا عن النفير، فقال:(أيها الناس؛ مالكم نسيتم دينكم، وتركتم عزتكم وقعدتم، عن نصر الله فلم ينصركم؟ حسبتم أن العزة للمشرك وقد جعل الله العزة ولرسوله وللمؤمنين، يا ويحكم!

أما يؤلمكم ويشجي نفوسكم مرأى عدو الله وعدوكم يخطرعلى أرضكم التي سقاها بالدماء آبائكم يذلكم ويستعبدكم وأنتم كنتم سادات الدنيا؟

أما يهز قلوبكم وينمي حماستكم مرأى إخو ان لكم قد أحاط بهم العدو وسامهم ألوان الخسف؟

أفتأكلون وتشربون وتتنعمون بلذائذ الحياة وإخوانكم هناك يتسربلون اللهب ويخوضون النار وينامون على الجمر؟

يا أيها الناس؛ إنها قد دارت رحى الحرب ونادى منادي الجهاد وتفتحت أبواب السماء، فإن لم تكونوا من فرسان الحرب فافسحوا الطريق للنساء يُدرن رحاها، واذهبوا فخذوا المجامر والمكاحل يا نساء بعمائم ولحى، أو لا! فإلى الخيول وهاكم لجمها وقيودها.

يا ناس؛ أتدرون مم صنعت هذه اللجم والقيود؟ لقد صنعها النساء من شعورهن لأنهن لا يملكن شيئًا غيرها، هذه والله ظفائر المخدرات لم تكن تبصرها عين الشمس صيانة وحفظا؛ قطعنها لأن تاريخ الحب قد انتهى وابتدأ تاريخ الحرب المقدسة الحرب في سبيل الله، فإن لم تقدروا على الخيل تقيدونها فخذوها فاجعلوها ذوائب لكم وظفائر، إنها من شعور النساء فلم يبق في نفوسكم شعور).

وألقى اللجم من فوق المنبر على رؤوس الناس وصرخ: (ميدي يا عمد المسجد، وانقضي يا رجوم، وتحرقي يا قلوب المًا وكمدا، لقد أضاع الرجال رجالتهم) أ. هـ.

نعم والله لقد أضاع الرجال رجولتهم!

فماذا نقول نحن في هذا الزمان الذي عز فيه النصير، وقل فيه المعين وتداعت علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.

إننا والله لا نريد رجالًا كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد والمقداد وطلحة والزبير، لكننا نريد رجالًا كصفيّة!

نعم كصفية! عندما قامت بالدفاع عن حرمات المسلمين عندما همّ ذلك اليهودي الخبيث أن يدخل الحصن ويكشف عورات المسلمين فقاتلت عن أعراض المسلمين.

فيا ربي أدركنا فقد بلغ الزبى ... من الكرب سيل الفاجعات المغرق

فيا علماء الأمة، ويا دعاتها، ويا شبابها؛

اتقوا الله، اتقوا الله، وأدركوا ما فاتكم؛ فإنما العصمة السيف ..

اغفلتم عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه أبو داود حيث قال: (ما من امرئ يخذل امرئً مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته) .

أليس فيكم من يغُط غطة سعيد بن عامر، فقد ذكر أصحاب السير أن أهل حمص شكوه حين كان واليًا عليهم إلى عمر، وعابوا عليه أمورًا، منها؛ أنه كان يغط وتتجلله الغشية حتى يشق ذلك على الناس. فأجاب معتذرًا: (شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة وقد بضّعت قريش لحمه وحملوه على جذع، وهم يقولون؛"أتحب أن محمد مكانك وأنك في أهلك ومالك؟"، فيقول؛"والله! يا قوم ما يسرني أن يفديني محمد صلى الله عليه وسلم بشوكة في قدمه، فكلما ذكرت ذلك المشهد الذي رأيته وأنا يومئذ من المشركين، ثم تذكرت تركي نصرة خبيب يومها أرتجف خوفًا من عذاب الله ويغشاني الذي يغشاني") ، أليس فيكم من يرجف قلبه خوفًا من عذاب الله ويغشاه ما كان يغشى سعيد لترككم نصرة المجاهدين؟

أين أنتم من سفيان الثوري ذلك العالم الرباني الذي قال: (والله إني لأرى الأمر يجب علي أن أتكلم فيه فلا أستطيع فأبول دمًا) ؟!

ذاك سفيان بال دمًا عندما خلُصت نفسه لله ولم ينازعها شيء من الدنيا، بال دمًا عندما مازج دمه وخالط أنفاسه حب هذا الدين.

أما بلغكم يا علماء أن يونس بن عبيد رحمه الله نظر إلى قدميه عند موته فبكى، فقيل: (ما يبكيك يا أبا عبد الله؟) ، قال: (قدماي لم تغبرا في سبيل الله) .

لم تغبر قدماه عندما كان الجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، فماذا لو كان الجهاد فرض عين؟ تُرى لو كان ابن عبيد في زمانا ماذا تظنون أنه قائل؟ والله لكان لسان حاله:

فيا جبال اقذفي الأحجار ... ويا سما ء امطري مهلًا وغسلينا

ويا كواكب آن الرجم فانطلقي ... ما انت إن أنت لم ترمي الشياطينا

نقلته بتصرف بسيط

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت