فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هذا وقد حدثني السيد جاووط السعذي أن توافد العنصر اليهودي إلى عمق منطقة القبائل- خاصة منطقة أزفون البحرية- قد تزامن مع بناء مستوطنات المعمرين الفرنسيين والأوروبيين خلال القرن التاسع عشر. وكان اليهود ضمن الرواد الذين فتحوا المحلات التجارية الخاصة ببيع الحبوب والملح والقماش للأهالي، واحتكارهم لتصدير المنتجات الفلاحية المحلية كالخروب، والتين المجفف، وزيت الزيتون.
اهتزاز صورة اليهود في الثقافة الشعبية القبائلية
لا شك أن أهم سؤال يرتسم أمامنا يتمحور حول أسباب انحطاط صورة اليهود في الثقافة القبائلية الشعبية؟ هل يعود ذلك إلى التعصب الديني كما يدعي الغربيون أم إلى سوء سلوك التجار اليهود المتميزين بصفة الجشع والاحتيال؟
تعزو المصادر التي بين أيدينا تدهور صورة اليهود في المجتمع القبائلي، إلى جشع التجار اليهود ومكرهم واحتيالهم، وأكدت في هذا السياق الباحثة الفرنسية المتخصصة في الثقافة القبائلية [كاميل لاكوست - دو جاردان Camille Lacoste- Dujardin ] أن صورة اليهودي كانت سيئة في المجتمع القبائلي، إلى درجة أن من يذكره في سياق حديثه، يتوجب عليه استعمال عبارة"أكرمكم الله" (حاشاكم) ، كما اعتبرته بعض الحكايات الشعبية رمزا للشر، وهذا بسبب معاملاتهم الربوية وجشعهم في المعاملات التجارية (2) . وأكد الكاتب
[ج. ريفيير J. Riviere ] ذلك فيما جمعه من الحكايات الشعبية القبائلية (حكاية"الأمير والغولة"مثلا) سنة 1882م (3) . ويتجلى أيضا احتقار اليهود، في بعض القوانين العرفية القبائلية، التي تعتبر التنابز بلقب"يهودي/ ابن اليهودي" (أوذاي/ ميس وذاي) مخالفة يعاقب عليها القانون، ونصّ في هذا السياق القانون العرفي لقرية [ثاسلنت] بوادي الصومام، في المادة (163) أن الشخص الذي يخاطب الآخر (عادة في حالة الغضب) بعبارة"أنت يهودي"، يدفع غرامة قدرها ربع ريال (4) .
(1) صورة اليهود في شعر سي محند أومحند
انتقد الشاعر القبائلي الكبير سي محند أومحند (1843 - 1906) اليهود في أكثر من قصيدة، فقد عبر في إحداها عن الإحباط الذي عم سكان القبائل، جراء حصول اليهود على الجنسية الفرنسية، بموجب قرار كريميو الشهير سنة 1870م، الذي مكنتهم من التمتع بالمواطنة الفرنسية، وبالتالي صاروا يتحكمون في مصير الجزائريين المسلمين الذين ذلوا وهم في عقر دارهم! وقال في هذا السياق:
-أوفيغ أوذاي ذي الحاما
-إسميس مردخا
-يتساوي أنزا ذي صفاس
-أسمي يزنوزو أتسلوا
-أذنك أيـ?ـوفا
-أمنتسا أم يسثماس
-ثورا ميك أسعى صرايا
-يدا ذنصارا
-يتسو أيكعدان فلاس
[وجدت يهوديا في الحامه/ اسمه مردخه / عليه بادية أمارات الثراء عندما كان يقتات ببيع الرديء/ كنت له معينا / ولأخواته مساعدا أما وقد شيّد قصرا / ففي ركب النصارى سائر/ ناسيا ماضيه البئيس]
هذا وقد تحدث في قصيدة أخرى عن انقلاب الأوضاع رأسا على عقب، فأصبح السافل عاليا، حين أقدمت الدنيا على اليهود المرابين، وهوى الجزائريون إلى الحضيض وهم في عقر دارهم:
-دنيا أم بو يذريمن
-لا تسييدن
-ثينيض أمدّن يغرا
-ذي إحشايشين أيك أدلن
-سيثمورثا غابن
-وى ذاعسكريو وى يبوصا
-ثورا أدنيا بوذاين
-لاتسمهاواذن
-تساكناغ دورو أس خمسا (5)
[أقبلت الدنيا على الثريّ / فسوّد المال غير السيد/ ورفعه إلى مقام أهل العلم
الحشاشون في نعيم / وأهل الدار غائبون / هذا مجنّد، وذاك منفي / ابتسمت الدنيا لليهود / أعمال ومال / يقرضون لنا"دورو"بخمسة]
(2) في شعر الزاهد محمد السعيد تازروت
أشار الشاعر الزاهد محمد السعيد تازروت (1883 - 1963) إلى مكر اليهود، اثر تعرضه للاحتيال من طرف أحد تجارهم في بلدة أزفون، أيام كان يمارس التجارة كمهنة للعيش. ومفاد الواقعة أنه على اثر صدور قرار الحكومة الفرنسية - أيام الاستعمار- القاضي بسحب عملة معدنية معينة من التداول، اتصل به تاجر يهودي كانت لديه كمية كبيرة منها، طالبا منه المساعدة لتصريفها قبل انتهاء الأجل المحدد لسحبها، فقام محمد السعيد تازروت باستلامها وتوزيعها على زملائه التجار ربحا للوقت.
(يُتْبَعُ)