فهرس الكتاب

الصفحة 13860 من 28557

كماأخرج أبو داود بإسناد حسن عن أبي امامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"من لم يغزُ، أو يجهِّز غازيا، أو يخلُف غازيا في أهله بخيرً أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة"، وما أكثر القوارع الفاضحات التي نزلت ولا تزال تنزل في الأهل، والشرف، والمال، وقد لُوِّثت بها عرصات المحاكم وموجات الأثير.

وقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من مات ولم يغز، ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من شعب النفاق"

إن استنهاض الهمم، واستجاشة العزائم للجهاد فريضة من الله تعالى على كل مسلم، لا يعذر فيها أحد، لأن كلفتها غير شاقة، ونتائجها إن شاء الله ليست بالضعيفة، فالمؤمنون به أكفاء لعدو الله وعدوهم، لأن أعداءهم قوم لا يفقهون (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (لأنفال:65) ،فالفئة المؤمنة هي التي تفقه، تفقه الحقائق، وتدرك معنى الإيمان، فتستعلي به، وتخِفَّ له، وتدعوا ولو بدمائها وأشلائها إليه، وتثق في موعود الله تعالى لها (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر:51)

ومن هذا الفقه يأتي رعاية حقِّ التحريض، والإعداد المناسب له، ومطاردة مفسداته من الركون إلى مواطن العبث، والإخلاد إلى أسباب الدعة، تلك المفسدات التي يزينها شياطين الساسة، ويروجها أبالسة المتفيهقين، فينتج عن ذلك شرُّأنواع العبوديات، عبودية القلب لمطالب الهوى وجنوده، فيضيع بذلك الرجاء في الله، لأن الذنوب والسيئات تضر الإنسان أعظم مما تضره السموم- [مجموع الفتاوى 8/ 348] .

إن الحرية هي حرية القلب من سلطان الأهواء، وغلبة الذنوب، وقهر المطامع الرخيصة، وذل المناصب والألقاب التي أتتهم بغير رصيد.

يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:

أَمَتُّ مطامعي فأرحتُ نفسي فإن النفس ما طمعت تهون

والقلب المشغول بالمعاصي قلب مسترق، لا تدعه المعاصي وحيدا بغير أن تشغله بأخواتها، وتحبب إليه الفجور الذي فيه هلاكه وضياعه وضياع من معه.

يقول الإمام ابن القيم: تزوجت الحقيقة الكافرة بالبدعة الفاجرة فتولد منهما خسران الدنيا والآخرة .. وقال شيخه ابن تيمية"تزوجت بدعة الأقوال ببدعة الأفعال، فاشتغل الزوجان بالعرس، فلم يفجأ المسلمين إلا أولاد الزنا يعيثون في بلاد الإسلام، تضج منهم البلاد والعباد" [مدارج السالكين 1/ 175] .

ومن هذا المنبت الخبيث تأتي الثعالب وتتوالد الخفافيش، الخفافيش التي يقتلها دائما النور، ويُحييها الظلام، فلا تفتأ تتخابث وتمكر، استكبارا في الأرض، وعبثا بالحق، واستمتاعا برضاب الآثمين، ومثلها إن مُكِّن لها- ولا يكون إلا عن غفلة من الأمة وتقصير- لا يخرج منها إلا الرخيص من الأفعال، والساقط من منكر الأقوال وزورها، مما يُفسد على فريضة التحريضِ عملها، ويُبْطِلُ سعي المُحَرِّضين في تحريضهم، فليس يصلح عليها التَلّبُسُ بشيء من مسكرات الفنون، ومخدرات العصبيات التي بالغوا فيها حتى استنبتوا بها في الأمة كل مسترذل ومستقبح، وفضحت به المعالم، وسقطت الأقدار.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه"المنافقون ليس لهم همٌّ إلا أنفُسهم، أجبنُ قومٍ وأَرغبُه، وأخذلُه للحق"

نُعيذ أمتنا بالله أن يكون فيها من يرضى لنفسه بالهوان،"فإن شرَّ الناس من ينصرُ الظلومَ ويخُذلُ المظلوم"فاحتسبوا أنفسكم أيها المسلمون جميعا على الله، لاتحرموا انفسكم شرف الشهادة بطلبها، وأخذ الأهبة لها كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه"فقد قال"كرُم المؤمن تقواه، ودينُه حسَبُه، ومروءتُهُ خُلُقُه، والجبانُ يَفِرُّ عن أمه وأبيه، والجرئ يقاتل عما لايؤوب به إلى رحله، والقتلُ حَتْفٌ من الحُتُوف، والشهيد من احتسب نفسه على الله"."

(فاتقوا الله وأطيعون *وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ *الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (الشعراء 150:152) .

صدر عن جبهة علماء الأزهر في السادس من المحرم 1430هـ الموافق 3من يناير 2009م.

المصدر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت